لتطمئن عليه. وأشد ما يكون فزع الإنسان من ذكر الموت حين مرضه وأيام الأوبئة المعدية.
ولو مر بك فقير يقطر ذلًا ويتساقط جوعًا انقبض صدرك وانفطر قلبك ومددت يدك إليه بالصدقة لترد إليه مسغبته وفي الحقيقة لتدفع عن نفسك الألم الذي شعرت به حينما رأيته ووضعت نفسك مكانه فمثل الصدقة كمثل القشعريرة وانقباض اليد حينما نشعر بقرب النار منها تنزل إلى القلب الراحة والسكينة وتبعد عنه الألم. والمتصدق في الواقع ونفس الأمر إنما يحسن إلى نفسه من قبل أن يحسن إلى غيره.
والفقير أبر الناس بالفقراء وأشفقهم عليهم ومعظم دخل الشحاذين من جيوب المعوزين الذين يتوقعون الفاقة من وقت لآخر وذلك لأنهم واقفون على حافة العدم ومهددون بالفقر فكل مظهر من مظاهر الفاقة يخيفهم ويهوي بمخيلتهم إلى جحيم الحاجة وسرعان ما يجدون أنفسهم مكان الشحاذ يستعطون، فيمدون أيديهم بالصدقة ليبعدوا عن أنفسهم هذا الخيال المفزع ولا يمكن أن يقال أن منظر المرض أو الفقر في حد ذاته مؤلم فكثيرًا ما يمرض بعض الناس به ولا تجد الشفقة إلى قلوبهم سبيلًا ولا يتأثر الإنسان من التمثيل مهما كان متقنًا والممثلون بارعين في محاكاة الطبيعة إلا إذا نسي الإنسان نفسه وظن التمثيل حقيقة وامتزج بأبطال الرواية. أما إذا أقام بمعزل ورجع إلى نفسه وأدرك أن ما يمر به محض تمثيل سخر منه وضحك في المواقع التي تستوجب البكاء.
يجمع الإنسان بين جوانحه كثيرًا من المتناقضات فبينما نجده شغوفًا بالعدل وحب الغير إذ تجده يحب نفسه حبًا جمًا ويؤثر مصالحه على مصالح غيره وتعترك في نفسه أميال شتى يرجع بعضها إلى حب الذات ويرجع البعض الآخر إلى محبة الغير. والإنسان بين هذين الفريقين مع الغالب فتارةً تفوز الأثرة الذاتية وطور ينتصر العدل الذي هو محبة الغير. وفوز أحد الجانبين على الآخر متوقف على مزاج الإنسان وبنيته وما ورثه عن أسلافه من القوة والضعف والشدة واللين وعلى ما يحيط به من الظروف والأحوال. وهذا العراك في أغلب الأحايين فاتر لحسن الحظ ولا يدوم طويلًا.
غير أنه قد تصيب الإنسان في بعض الأحايين أزمة شديدة تتماثل فيها الأميال وتتساوى القوى المعارضة ويحار في الأمر فلا يدري ماذا يفعل ولا لأي الجانبين ينحاز.