إنا نمسك القلم عن الاسترسال والإفاضة في القول ونكتفي بأن نقول أنه لكي يكتمل خلق من الأخلاق في الإنسان لابد أن تكون خلاله على وتيرة واحدة وليست كل يوم في شأن وأن تكون راسخة في النفس متمكنة منها جد التمكن حتى يكون صاحبها متطلعًا إلى غاية يوجه إليها كل همته وآماله. إذا تبين لك ذلك أدركت أن الخلق ليس وليدًا مع الإنسان مغروسًا في فطرته فقد رأيت أن المرء يولد وفي نفسه الأفكار والأميال والأهواء فوضى لا نظام لها وإنما ينظم شتاتها ويضم بين أطرافها العمل على نيل الخلال التي أشرنا إليها والسعي في تحصيلها. ويتلخص من كل ما تقدم أن الخلق كسبي لا طبيعي فمن قصرت همهم عن الطموح إلى تلك الحال والطمع في إدراكها فليس لهم حق فيما يعلى قدر المرء ويسمو بمكانته ويجعل له شأن في هذا الوجود أعني الحرية وامتلاك هوى النفس.
مقدمة الطبعة السابعة والعشرين
للمؤلف
في غضون ثلاثة عشر عامًا ونصف عام أعيد طبع كتاب تربية الإرادة سبعًا وعشرين مرة إلى أكثر اللغات الأوروبية. وهذا وحده دليل على مقدار حاجة الناس إلى مثل هذا الكتاب.
ولو نشرت الرسائل التي انهالت على المؤلف لتألف منها مجلد ضخم يدل بعبارة بليغة مؤثرة على حالة نفوس أكثر الشبان في هذا العصر.
نعم فلقد أصبحت العقول في هذه الأيام تخامرها الشكوك والريب والشبهات وتضرب الحيرة حولها نطاقًا إذ لا تجد من المذاهب الفلسفية ولا من الأوضاع الاجتماعية ما تستروح له وتسكن عنده وتظفر منه بالحقيقة المنشودة. حتى الدين الكاثوليكي. وقد كان فيما سلف الحمى الذي تلجأ إليه الضمائر القلقة المضطربة أضحى في هذه الأيام وقد أقسم ذووه على أنفسهم وتفرقوا شيعًا وأحزابًا.
ولا تجد رأيًا أو مذهبًا في السياسة أو الاجتماع أو الأخلاق وإلا وقد تناولته يد البحث بالنقد والطعن والتجريح.
على أن التربية في المدارس الثانوية اقتصرت على تلقين الطلبة المعلومات العقلية البحتة ولا تعدو ذلك فالأخلاق التي تتكون في هذا الطور هي صلة مشوشة مضطربة ضعيفة الأثر بين العقائد القديمة المتوارثة وبين المذاهب الفلسفية الحديثة.