المران عليه للإحاطة بدقائقه وخفاياه ثم لا يمضي حين من الدهر حتى يقل عدد ما يعرض له من الأمور التي تتطلب درسًا وبحثًا وتنقيبًا وحيلةً واستنباطًا. حتى المهن السامية التي يرى من ظاهرها أنها تحتاج إلى أجهاد عقلي عظيم لا تلبث أن تصير بالمران والاعتياد أمرًا يسيرًا لا كلفة في أدائه ولا عناء. فالمحامي والقاضي والطبيب والأستاذ يعتمدون في ممارسة أعمالهم على معلومات اكتسبوها ولا يجدون في إنمائها إلا في القليل النادر لأن ميلهم إلى بذل المجهودات يقل سنة فأخرى فتضعف من جراء ذلك وظائف العقل كالانتباه والتروي والاستنتاج بسبب قلة المسائل التي ترد عليها وتحتاج في حلها إلى وظيفة من تلك الوظائف العقلية. فإذا لم يجد الإنسان في أن يجعل لنفسه بجانب مهنته أو وظيفته عملًا عقليًا يشغل به نفسه ويشحذ به قوى عقله كان جديرًا بالوقوع فيما ذكرناه من العيوب فيخبو ضوء ذكائه وتخمد نار عزمه.
ولما كان هذا الكتاب قد ألفناه خصيصًا لطلبة العلوم وللمشتغلين بأشغال عقلية كان خليقًا بنا أن نشرح الأشكال المختلفة لهذه الحالة التي يجب مقاومتها بكل قوة. فأصعب الأشكال مراسًا وأشدها بأسًا انحلال عزيمة الشاب وسأمه وكلال نفسه وهي الصفات التي تبدو جليًا في جميع حركاته، ينام نومًا طويلًا ثم يقوم متكسر الأعضاء مسترخي العزم فاتر الهمة لا يرى لذة في أداء أي عمل من الأعمال حتى لا تقرأ سأمه في وجهه، ينهض متثاقلًا متثائبًا لتنظيف وجهه وارتداء ملابسه فيقطع في ذلك وقتًا طويلًا ثم يتناول طعام الفطور ويتوجه في التو والساعة إلى القهوة حيث يقرأ الجرائد اليومية ويتصفحها جميعها ولا يفوته منها كلمة واحدة حتى ولا إعلاناتها ذلك لأن مثل تلك القراءة تقطع وقته ولا تتطلب منه عناءً ولا جهدًا. ويعود إليه شيء من النشاط آخر النهار ولكنه لا يغتنم فرصة ذلك النشاط فيثب إلى عمل ذي شأن بل يصرف الوقت في أحاديث لا فائدة منها ومناقشات عقيمة سقيمة في نقد الناس وتجريح أعمالهم وإظهار معائبهم لأن كل كسول حسود ولا يكاد يسلم من لسانه أحد من رجال السياسة أو العلم والأدب ثم يذهب إلى فراشه منقبض الصدر وإن كان قد قضى سهرته في اللهو واللعب ولكنه له مشوب بالانقباض وضيق الصدر لأن اللذة لا تنال إلا بالتعب والراحة لا تدرك إلا بالكد والعناء.
من أنواع اللهو واللذات ما هو مباح ومفيد كقراءة الكتب النافعة وزيارة المتاحف