وقد تغيرت هذه النسبة من ذلك الحين تغيرًا عظيمًا فلا تطابق الواقع الآن في كل البلدان الأوروبية ولكنا أتينا بها لأننا لم نقف على إحصائية أحدث منها.
ولكن قوة الاشتراكية غير آتية من كثرة عدد المتشيعين لها فحسب وإنما هي آتية على الأخص من تمكن رسومها في نفوسهم وقوة تمسكهم بها.
إن كثرة العدد لا تغني شيئًا إذا كانت العقيدة ضعيفة والنفوس غير مشتعلة بنار اليقين ولم نر عملًا عظيمًا قام على أساس مكين كالعقيدة المتينة.
إن العقيدة المتينة دينية كانت أو سياسية هي حجر الفلسفة التي تصير الضعيف قويًا والجبان شجاعًا، هي تضرم في النفوس نار الأقدام وتحملها على عظائم الأمور وهيهات أن تقف في وجهها عقبة من غير أن تكتسحها من طريقها أو تعلو عليها ثم تنحدر عنها وهي أشد قوة.
تمنى الاشتراكية العالم بالخير العميم والسعادة التامة والهناء الرغيد والسلام الدائم المبني على المساواة بين الأفراد والأمم وتحاول أن تقضي على أسباب البغضاء والكراهية بإلغاء الملكية الفردية وإحلال الملكية الاجتماعية مكانها وتوزيع الناتج من الأرض وعمل الإنسان على الأفراد بالتساوي.
وهذه النظريات خلابة تروق الأبصار وتعجب بها النفوس الشعرية وتغوي الفقراء والمعدمين، فلا عجب إذا أعجب بها القوم واستماتوا في الدفاع عنها كما يستميت المؤمن في الذب عن دينه، وإذا نحن رأينا صوت الاشتراكية مسموعًا في كل مكان، ولو أن الاشتراكيين لا يزالون الأقلية في كل المجالس الأوروبية كما هو ظاهر من الجدول السابق فنسبتهم في فرنسا 13 في المائة ومع ذلك يحدثون من الشوشرة والضوضاء ما تهزله أركان مجلس النواب الفرنساوي وترتعد له فرائض الوزراء، وكم من مرة سقطت الوزارة الفرنساوية لتخلي الاشتراكيين عنها.
لهذا كانت دراسة الاشتراكية والوقوف على أمانيها وأغراضها وإمكان تطبيقها لا يخلو من لذة وفائدة خصوصًا في هذه الأوقات التي هب فيها الاشتراكيون يزأرون وقد ظنناهم تلاشوا أو ضعفوا بسبب ما أصابهم من الصدمات الشديدة حين إعلان الحرب الأوروبية الحالية، ويحاولون أن يحدثوا أمرًا وتأبى حكومات الحلفاء إلا أن تسير في طريقها حتى