أنطلق في رفق صعدًا في الشارع عائجة على الشوارع التي مشنا فيها معًا، فلم أكن يومًا لألقاك واستبان لي إذ ذاك أنني لم أخطر في ذهنك مطلقًا، وكان على أن أنساك، أليس كذلك.
وهذا هو ما حدثتني به النفس ولكني لم أستطع عليه صبرًا، وكلما مضى يوم زدت لك تذكرًا واشتد الحزن بفؤادي، ولشد ما يسوءني أن تضحك يا مسيو هرفيه مما أقول لك الآن فغن رجلًا مثلك من الطبقة الرفيعة السامية له من ملاهيه ومباهجه ما يشغله عن سماع صوت الفؤاد، ونجوى النفس، وأما نحن الفقراء فليس لنا غير المصنع نذبل فيه، وغير المنزل الصامت لا يحتوي لهوًا ولا مبهجًا وإذا قيض الله لنا شهود دار التمثيل فذلك هو النعيم الأكبر والحادث الأعظم، فإذا نحن انطلقنا في النهار نجرب قميصًا أو نخبر معطفًا، فنحن إذا الليل هجم مضطجعات في السرر محزونات مكدورات، نفكر في رجل وكذلك مضيت أتذكرك وأفكر فيك حتى سئمت كل شيء، ولقد كنت من قبل فرحة راضية العيش وثيقة الأمل في المستقبل دون أن أعلم ماذا يمسك هذا الأمل، أما اليوم فلا رغبة لي في شيء، ولا شهوة لدي إلى الطعام، ولا نزوع إلى النوم، ولتعتقد أنني خلال الأيام الأخيرة كنت أتمشى أبدًا في مقتبل المساء فوق الافريز أمام ناديك ولقد رأيتك ثماني مرات يا مسيو هرفيه ولكني لم أكلمك لأنك قلما كنت تخرج في النادي بمفردك، وإذا فعلت ذلك فقد كنت تثب الوثبة إلى مركبتك، وإذ ذاك جعات أضطرب وأرتجف، حتى لا أستطيع كلامًا ولا مشيًا.
حوالي نهاية شهر يونيو ارتحلت أنت إلى الريف، وقد علمت ذلك من الصحيفة التي تجيء غداة كل يوم إلى صاحب المصنع فهدأ ثائري قليلًا في غيبتك إذ علمت أنك لم تعد تحتويك باريس وأن لا وسيلة إلى رؤيتك، وجعلت أقول: إنه سيعود مع الخريف، ونحن لم نكبر بعد، لا أنا ولا هو، وقد جئت حقًا ورأيت عند يوم عودتك إلى باريس، وأنا محدثتك كيف كان اللقاء، وضراعة إليك أن لا تغضب على فإن بي حزنًا منه مستطيلًا.
على دقة الساعة التاسعة كنت في موقفي أمام ناديك، وإذا بمركبة وقفت ببابه، ورأيت في المركبة سيدة فخرج إليها من النادي خادم فكلمها وعدا راجعًا إلى النادي وهنا أتوسل إليك أن لا تتألم يا مسيو هرفيه، إذا أنا قلت لك أنني لم أجد تلك السيدة على شيء من الحسن