وأما الخليل بن أحمد فأنت تعلم أنه الذي وضع علم العروض وأخرجه إلى الوجود، قال حمزة بن الحسن الأصبهاني، وبعد فإن دولة الإسلام لم تخرج أبدع للعلوم التي لم يكن لها عند علماء العرب أصول من الخليل، وليس على ذلك برهان أوضح من علم العروض الذي لا عن حكيم أخذه ولا على مثال تقدمه احتذاه وإنما اخترعه من ممر له بالصفارين من وقع مطرقة على طست ليس فيهما حجة ولا بيان يفسران غير جوهرهما، فلو كانت أيامه قديمة، ورسومه بعيدة، لشك فيه بعض الأمم لصنعته ما لم يصنعه أحد منذ خلق الله الدنيا من اختراعه العلم الذي قدمت ذكره ومن تأسيسه بناء كتاب العين الذي يحصر لغة أمة من الأمم قاطبة ثم من إمداده سيبويه من علم النحو بما صنف منه كتابه الذي هو زينة لدولة الإسلام: انتهى كلام حمزة - وليس هذا الذي نقصد إليه وإنما الذي نعجب به من هذا الإمام عقله وتقاه وزهده في حطام الدنيا، قال تلميذه النضر بن شميل: أقام الخليل في خص من أخصاص البصرة لا يقدر على فلسين وأصحابه يكسبون بعلمه الأموال، ولقد سمعته يقول: إني لأغلق على بابي فما يجاوزه همي: وكان يقول أكمل ما يكون الإنسان عقلًا وذهنًا إذا بلغ أربعين سنة ثم يتغير وينقص إذا بلغ ثلاثًا وستين، وأصفى ما يكون ذهن الإنسان في وقت السحر - واجتمع الخليل وعبد الله بن المقفع ليلة يتحدثان إلى الغداة فلما تفرقا قيل للخليل كيف رأيت ابن المقفع فقال رأيت رجلًا علمه أكثر من عقله وقيل لابن المقفع كيف رأيت الخليل فقال رأيت رجلًا عقله أكثر من علمه - وكان له ولد متجلف فدخل على أبيه يومًا فوجده يقطع بيت شعر بأوزان العروض فخرج إلى الناس وقال إن أبي قد جن فدخلوا عليه وأخبروه بما قال ابنه فقال مخاطبًا له:
لو كنت تعلم ما أقول عذرتني ... أو كنت تعلم ما تقول عذلتكا
لكن جهلت مقالتي فعذلتني ... وعلمت أنك جاهل فعذرتكا
وكان يتردد إليه شخص يتعلم العروض وكان بعيد الفهم فأقام مدة ولم يعلق على خاطره شيء منه، قال الخليل فقلت له يومًا قطع هذا البيت:
إذا لم تستطع شيئًا فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع
فشرع معي في تقطيعه على قدر معرفته ثم نهض ولم يعد يجيء إلي، فعجبت من فطنته لما قصدته من البيت مع بعد فهمه - وكان رحمه الله كثيرًا ما ينشد هذا البيت: