الحديث لم يدرسه ويلسون ويأخذه بالشرح والتحليل، وكتب بعد ذلك كثيرًا في مسائل التشريع والقانون والأنظمة الاجتماعية.
على أن ويلسون أذن لنفسه دهرًا وجيزًا أن يتحول قليلًا عن خطته التي اختطتها وهي تدريب نفسه لأجل الحياة العمومية وذلك أن اشترك ورجلًا آخر في إنشاء مكتب للمحاماة في المدينة ولا يصح أن نقول بوجه عام أن أمر الاشتغال بالقانون ومعالجة القضايا مضيعة لزمن الرجل الذي أعد العدة للحياة العمومية، فإن أبراهام لنكولن، وهو ذلك الرئيس القديم الرائع الذي تولى أمر الولايات المتحدة في زمن الحروب الداخلية وكان من أكبر أهل الأدب والخطابة لم يعرف أخلاق الناس، ولم يخبر الأمور، ويدرك أسرار الحياة إلا بعد أن كان محاميًا طوافًا يتقلب في البلاد بحثًا عن القضايا، ويجول في المدائن للحصول على المرافعة في الخصومات، ولكن ويلسون لم يكن له طباع ذلك الرئيس - لنكولن ولم تكن نشأته مثل نشأته وكان ولا ريب سيصيب من تضحية نفسه سنين طوالًا للبت في حقوق الأفراد وظلامات الأشخاص تأثيرًا في ذهنه وبدنه كان سيكون ذا خطر شديد عليه فيما بعد، على أن حسن الحظ أنقذه من هذه الصناعة، لأن مستر ويلسون لم يخلق ليضحي نفسه للزبائن وأرباب القضايا والحادثات، لأن الله لم يفتح عليه بزبون ولا راجت المحاماة على يده فلم يكن انحرافه عن خطته التي رسمها لنفسه وسلوكه طريقًا غير صالحة له ولا صالح لها إلا أمرًا عرضًا لم يلبث أن زال.
وعاد بعد ذلك إلى أمره الأول، ورجع إلى حجرات التدريس، وإلى تعليم الطلاب، وقد ذكرت أن الموضوعات التي توفر عليها ذهن ذلك الرجل هي التشريع والاقتصاد السياسي والتاريخ، ولكن هناك فرعًا من العلم برع فيه وحشد كل ذهنه له، ونعني به الأدب، ولا ريب في أن الولوع بالأدب ورثه عن أبيه، وشجعه والده على الإقبال عليه، ونشأ لذلك عليه من طفولته، ولكن لو لم يرثه عن أبيه، وعن المدارس والجامعات، لكان ويلسون ولا ريب سيروح من نفسه بالأدب ولوعًا، وهو رجل أديب بكل معنى هذه اللفظة، بل لعلني مصيب إذا قلت أنه أكبر أديب في رجال السياسة العصريين وهو قارئ يلتهم في القراءة كل نوع من الكتب، وقد أخبرني طبيبه المشهور الأميرال جرايسون أن من عاداته الخطرة أنه قد يهتم بقراءة رواية من الروايات فيسهر على قراءتها حتى الرابعة بعد منتصف الليل،