فهرس الكتاب

الصفحة 2452 من 3596

لا يسعنا إزاء ما نبصر من أعراض هذا الداء العضال إلا استنباط النتيجة الآتية هي أنه إذا كان الداء المذكور لم يبلغ بعد أقصاه وأنه سيزداد شدة وعمقًا واتساعًا فلا بد أن يأتي زمن تصبح فيه الظواهر المقصورة البوم على سكان مستشفيات المجاذيب فقط قد شاعت في المجتمع الأوروبي وصارت من أحواله وصفاته العادية، وإذ ذاك ترى الحياة قد أخذت الصورة الآتية أو نحوها:

تؤسس أندية الانتحار في كل مدينة، وإلى جانبها تقام أندية التذابح أي قتل الأعضاء بعضهم بعضًا عن اتفاق وتراض بواسطة الخنق والشنق والطعن بالمدى والخناجر، وبدلًا من الحانات والفنادق تنشأ أماكن لتعاطي الأثير والكلورال والنفط والأفيون والحشيش، ويزداد عدد المصابين بفساد حاستي الذوق والشم ازديادًا يستوجب فتح دكاكين تقدم فيها على صحون الذهب وأواني البلور جميع أصناف القاذورات للزبائن الذين يجلسون على فاخر الكراسي محفوفين بكافة ضروب الأوساخ متلذذين باستنشاق روائح النتن والعفونة، وتخلق وظائف وأعمال جديدة - كوظيفة الحقن بالمورفين والكوكايين، ووظيفة أناس يقفون على معاطف الطرقات يمدون أيديهم للمصابين بمرض الأجورافوبيا (مرض ذهني من شأنه أن صاحبه يعتريه الخوف الشديد إذا أراد عبور طريق واسع) ليساعدوهم على عبور الطرق والساحات، ووظيفة أناس يهدئون - بجميع أساليب الأيمان والتأكيدات - خواطر المصابين بداء الشك والارتياب كلما جاءتهم النوبة العصبية.

يشتد في الناس التهيج العصبي إلى حد أنك تجد المصابين به يطلقون الرصاص من نوافذهم على الأطفال الذين يصفرون أو يصرخون تحت بيوتهم صراخًا غير موسيقي خاليًا من الأوزان والقوافي، أو تجدهم يهجمون على مدارس الموسيقى فيقتلون صغار الفتيات اللاتي يتلقين دروسهن الابتدائية في الكمنجة والبيانو لأنهن صدعن رؤوسهم وهيجن أعصابهم بضوضائهن الأليمة، أو تجدهم يحاولون أن ينسفوا بالديناميت شركات الترام لأن السواقين يطيّرون عقولهم بالأجراس والصفافير، فلهذه الأسباب كلها تسن الحكومة قوانين لمنع التصفير والصياح في الطرق، وتبنى مدارس الغناء والموسيقى بكيفية تمنع نفاذ الأصوات إلى الخارج، وتوضع في القانون مادة لتحذير المركبات من إحداث أقل صوت أثناء سيرها، ونظرًا إلى أن نباح الكلاب يصيب الكثيرين بالجنون ويغرى الكثيرين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت