الحديد، لا يكاد ينفذ منهما شيء من الهواء - فما لبثنا بضع دقائق حتى راح كل منا يحس عرقًا متصببًا مستفيضًا يجري من بدنه، لا يستطيع القارئ له تصويرًا، وهذا أحدث ظمأ ملهبًا مضى يزداد في سعرته كلما تحدر العرق وتصبب، وجعلنا نفكر في عدة وسائل لتفسيح المكان واستجلاب الهواء، فلكي نصيب الطلب الأول، اهتدينا إلى فكرة صائبة، وهي التخفف من الأثواب، وخلع الأردية، فأجمع القوم على استحسانها واستصوابها، ولم تكن إلا لحظة حتى خلع الجميع أثوابهم كلها، إلا أنا ومستر كورت واثنان بجانبي، فتهللت وجوه الجمع إذ ذاك فرحًا إذ حسبوا أنهم قد أصابوا مأمنًا ومضوا يلوحون بالقبعات في الفضاء ليحدثوا جريانًا في الهواء، وهنا اقترح أحدهم بالجلوس القرفصاء، ففعل القوم ذلك، ولكن الضعفاء المهزولين، الذين أضواهم التعب، لم يستطيعوا النهوض، عندما أمروا به لأنهم فقدوا قوة سوقهم، ولما جلس الجمع جنبًا إلى جنب وتساندوا وطلب إليهم بعد ذلك النهوض، جاهدوا جهادًا شديدًا في سبيل القيام على أقدامهم، ولم تكد تحين الساعة التاسعة من المساء، حتى كان الظمأ قد بلغ الغاية القصوى، ولم يستطع الإنسان له احتمالًا فحاولوا كسر الباب فلم تجد محاولاتهم نفعًا، فعمدوا إلى قذف الإهانات الشنعاء والمثلبات النكراء وعور الكلم للحراس حتى يستنفروهم إلى فتح الباب وإغضابهم حتى يرمونا بالرصاص فلم يفلحوا، أما عن نفسي فلم أكن حينئذٍ قد شعرت بشيء من الألم الشديد، اللهم إلا على القوم وسوء مصيرهم، فقد جعلت صدري وفمي بين قضيبين من قضبان النافذة، لأجعل للهواء سبيلًا إلى رئتي، وإن كان الظمأ قد بدأ يثور في نفسي، والعرق يجري شديدًا صبيبًا من أجزاء جثماني، وإذ ذاك شعرت برائحة كريهة صدرت من الجمع المتألم المسكين، حتى لم أطق أن أحول وجهي عن النافذة فرارًا من شمها.
الآن بدأ كل إنسان - إلا أولئك الذين جاءت أمكنتهم على مقربة من النافذتين - يلهث ويصرخ، ومنهم قوم غشيتهم الغاشية وأصبحت الصرخة العامة، الماء! الماء! وهنا أخذت الرحمة بفؤاد رجل من الحراس فأمر للقوم بقرب من الماء، وكان هذا ما أخشاه لأنني توقعت إذ ذاك أن تكون تلك المقادير من الماء الضربة القاضية التي تذهب بما بقى من أمل فحاولت مرارًا أن أتوسل إليه فيما بيننا أن يمنعها عن الجماعة ويمسك عن تقديمها إلى القوم ولكن حال صياح الجمع وتهافتهم على الماء دون ذلك، فلما تقدم إليهم الماء ولاح