رؤوسهم وقالوا أنه لا يليق لخوض غمراتها لأن له قلبًا ضعيفًا وكانوا في حكمهم على حق.
ففي بعض مجالسه ونزهاته التقى بشيلا سوريل، فوجد كل في صاحبه ناحية يشبهه منها، وألفيا أنهما متماثلان من عدة وجوه.
وأشد ما فتنها منه لأول وهلة تلعثمه وفرط حيائه، ورأت في تعثر منطقه دلائل رجل حيي طيب القلب جبان الفؤاد فلم يلبثا بعد دهر قصير أن مال كل بنفسه إلى صاحبه، ورأت أنها مسارعة إلى الإفضاء بأسرار همومها إليه والتحدث أمامه عن آلامها وأحزانها.
فلم يكن منها إلا أن قال وهو يتلعثم، ليتني أستطيع أن أؤدي لك أمرًا ولكن شيلا هزت برأسها. فكانت هزتها المحركة له إلى العمل المهتاجة في نفسه بواعث الاحتيال على تخفيف أساها.
وانطلق ودهما مسرعًا، ومضى الولاء بينهما يعدو ويستبق، حتى أصبحا على ممر الأيام صديقين حميمين، وكان رثاء كل لرفيقه عظيمًا، وراج جفري يحدثها عن ليزلي كثيرًا ويتكلم أمامها عنه، وهو في أكرم لهجة، وأرفق حديث، بلا نية في إساءته، ولا قصد إلى غيبته أو سعي إلى فساد ولكنه مع ذلك كان يحاول عبثًا أن يقنع نفسه بأن هذا الزوج الغائب خليق بمثل هذه العروس ورأى جليًا أن ليس في الدنيا كلها رجلًا يستطيع أن يسبغ عليها السعادة التي تستحقها والهناء الواجب لها، ولكنه لم يفه بكلمة واحدة عن هذه العقيدة، ولم ينطق ببنت شفة عن ذلك أمامها، إذ تأبت عليه فروسيته أن يدع لشفتيه حق التلفظ بها، وأنكرت عليه الشهامة أن يبوح بما يكنه صدره، فذا عسعس الليل، واضطجع في فراشه، لم تغمض عينيه، وباتت نفسه رهينة عوامل كثيرة، ومضت روحه تستعيد آلام تلك الفتاة وسوء حظها، ولعله في تلك الظلمة قد دعا الله دعوة أو دعوتين، وانطلقت شفته تتمتم ضراعة أو ضراعتين، لأنه كان رجلًا مخلصًا لربه الدين، مؤمنًا عميق الإيمان.
وكانت صداقته لها على أتم الحزم، وكانا صديقين، ولا شيء أكثر من ذلك، والطبيعة هي الملوم، والذنب ذنبها، ولا أصر عليهما ولا عتب ولا ذنب، إذا تعدت صداقتهما بعد ذلك حدود المودة فخطت متقدمة إلى عاطفة أخرى هي الحب!
وقد اعتادا أن يطوفا طوفة صغيرة تحت ضياء الأنجم الزهر، إذ يتكلمان عن أمور تافهة وسخافات بذلك الوقار وذلك الجد الذي تقال به عظائم الأمور وأعقل الأحاديث، وقد تخرج