عبيد الله رقعة إلى ابن المعتز وقد بعث إليه برسالة في أنه يجوز ولا ينكر أن يغير الإنسان بعض نغم الغناء القديم ويعدل بها إلى ما يحسن في خلقه ومذهبه وشاوره في ذلك، فكتب إليه عبيد الله: قرأت أيدك الله الرسالة الفاضلة البارعة الموفقة فأنا والله أقرؤها إلى آخرها ثم أعود إلى أولها مبتهجًا وأتأمل وأدعو مبتهلًا وعين الله التي لا تنام عليك وعلى نعمة عندك فإنها علم الله النعمة المعدومة المثيل. ولقد تمثلت وأنا أكرر نظري فيها قول القائل في سيدنا وابن سيدنا عبد الله بن العباس:
كفى وشفى ما في النفوس ولم يدع ... لذي أربة في القول جدًا ولا هزلا
ولا والله ما رأيت جدًا في هزل ولا هزلاًَ في جد يشبه هذا الكلام في بلاغته وفصاحته وبيانه وإنارة برهانه وجزالة ألفاظه، ولقد خيل إلي أن لسان جدك العباسي ينقسم أجزاء، لك أعزك الله نصفها والنصف الآخر مقسوم بين أبي جعفر المنصور والمأمون رحمة الله عليهما، ولو أن هذه الرسالة جبهت الإبراهيمين إبراهيم ابن المهدي وإبراهيم بن الموصلي وابنه إسحاق وهم مجتمعون لبهت منها الناظر وأخرس الناطق ولأقروا لك بالفضل في السبق وظهور حجة الصدق ثم كان قولك لهم فرقًا بين الحق والباطل والخطأ والصواب. ووالله ما تأخذ في فن من الفنون إلا برزت فيه تبريز الجواد الرائع. عضد الله الشرف ببقائك وأحيا الأدب بحياتك وجمل الدنيا وأهلها بطول عمرك أهـ.
وإليك شيئًا من مختارات ابن المعتز - يقول - يصف سحابة ممطرة:
باكيةٌ يضحكُ فيها بَرقُها ... موصولةٌ بالأرض مرخاةُ الطُّنبْ
رأيتُ فيها برقها منذ بدا ... كمثل طرفِ العين أو قلبٍ يجبْ
جرت بها ريح الصبا حتى بدا ... منها إلى البرق كأمثال الشُّهبْ
تحسَبهُ طورًا إذا ما انصدعت ... أحشاؤها عنه شجاعًا يضطربْ
وتارةً تخاله كأنَّه ... سلاسلٌ مفصولةٌ من الذهب.
ويقول في الخط والشكل:
فدونكهُ موشّى نمنمتهُ ... وحاكتهُ الأناملُ أيّ حوك
بشكلٍ يؤمنُ الأشكال فيه ... كأنَّ سطوره أغصانُ شوكِ
وقال: