بالسواء، فإذا خشي اعتسافًا، وخاف أن لا يعدل، فواحدة وحسب، ولما كان بطبيعة الحال من المستحيل على الإنسان أن يعدل في حبه امرأتين أو ثلاثًا، ويهب كلًا قسطًا عدلًا من جانحته فإن المرء ليأخذ من روح التشريع الإسلامي في الزواج أن محمدًا كان في صف فردية الزواج والاكتفاء بزوجة واحدة.
ثم هو كذلك رفع المرأة من حالها الأولى وهي أن تكون متاعًا الرجل وملكًا من ملاكه، فجعلها صاحبة ملك وجعلها شريكًاَ للرجل، ومشاطرًان وعدها الشريك الأول الذي يجب أن تراعى مصلحته ويحتفظ بحقوقه، إذا أراد الزوج أن يأخذ في وجه من وجوه عمله، أو ابتغى شأنًا من شؤون حياته.
وقد رمى المسيحيون محمدًا بتهمة أنه من ناحية نفسه قد برر تعدد الزواج، ونصب نفسه مثالًا للإكثار من الابتناء بالنساء، فلنفحص هذه التهمة ولنقلب فيها وجوه الرأي، ومن حسن حظنا أننا لسنا إزاء رجل خيالي ولا لقاء شخصية م الشخصيات الخرافية في التاريخ، ولا إنسان مصطنع اخترعته القصص، وابتكرته الروايات، ولكنا أمام رجل من رجالات التاريخ، قد دونت كل كلمة من كلمه، وسجل كل فعل من أفعاله، في أحاديثه، وهي بعد القرآن الشرعة التي ينبغي للمسلمين الأخذ بها، والأدب الذي يجب عليهم التأدب به، وهذه الأحاديث لا يمكن أن تصدق وتصيب الإجماع على صحتها إلا إذا رواها أحد صحابة النبي، واستطاع المسلمون الاستدلال عليها من سجل حياة أنصار محمد وخلطائه، فإذا لم يصب حديث من تلك الأحاديث هذا التحقيق، ولم يحط بهذه الأسانيد، سقط من الاعتبار، ولم يعتد به، ولم يذكر بني الأحاديث، وهذا فضل لم تظفر به المسيحية، إذ ليست لدينا أسانيد صحيحة مثبوتة عن أحاديث المسيح وأفعاله وكلماته وأعماله، والآن لنتساءل على أي داعمة وبأي حجج يقرف الناس محمدًا بأنه كان مزواجًا كثير الابتناء بالنساء، وأنا أجيب على هذا بلا أدنى تردد بأننا لو توخينا البحث وتقصينا تاريخ النبي. وأخذنا كل قصة من القصص التي يستند إليها المتهمون المتجنون على ذلك النبي بالتحري والفحص والتشريح والتحليل، لما لبثنا أن ألفينا التهمة قائمة على أساس، ولم نر لها جدارًا تستقيم عليه، ولا بناء تنهض فوقه. بل لوجدنا محمدًا على نقيض هذه التهمة يستحق الإعجاب ويعد قمينًا بالإكبار، إذ احتفظ على فرط ما كان أمامه من غوايات، وما قامت إزاءه من