ثم قال: والخمر لذلك خليقة أن لا يشربها إلا الملوك وأشباه الملوك أما السوقة والحمقى والغوغاء ومن إليهم فيجب أن يصلبوا أو يقتلوا أو تقطع أيديهم وارجلهم إذا هم شربوها.
والخمر قد يشربها معشر ... ليسوا إذا عدوا بأكفائها
وجدت أقل الناس عقلًا إذا انتشى ... أقلهم عقلًا إذا كان صاحيا
تزيد حمياها السفيه سفاهة ... وتترك أخلاق الكريم كما هيا
فقلك له أما تخشى الله يوم الحساب فقال:
إذا صليت خمسًا كل يوم ... فإن الله يغفر لي فسوقي
ولم أشرك برب الناس شيئًا ... فقد أمسكت بالدين الوثيق
فهذا الدين ليس به خفاء ... دعوني من بنيات الطريق
فقال أبو عبد الله الفيلسوف: الشراب ضار ونافع أما أنه نافع فللبدن بإشراقه وتقوية الحرارة الغريزية وإنعاشها وإنضاج الرطوبات وتنقيح المجاري وإزالة سددها وتقوية الهضم وإنارة الدم وإدرار الصفراء وترطيبها - وللنفس بانبساطها وتفتيح آمالها وتشجيعها وقتل الهم والفكر الفاسد ومن ثم كان أنفع الأشياء للماليخوليا ثم هو يؤدم بين القلب والقلب ويبعث الشوق القديم الذي قد ضل في الأحشاء - وكل أولئك إذا استعمل على الوجه الذي ينبغي وإلا استحالت هذه المنافع مضار فترى عوض السرور همًا وغمًا وضجرًا وسوء خلق، وعوض الصحة مرضًا مزمنًا أو موتًا فجائيًا وإن إدامة الشراب تبلد الذهن وترخي العصب وتوهن قوى الدماغ وتورث الرعشة والتشنج، وقد أجمع الحكماء قاطبة على أن مدمن الخمر لا ينجب وإن أنجب كان الولد أحمق.
وبعد: فإن أصدق ما جاء في الخمر قول الله جل شأنه: يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما: ثم قال سبحانه يصف خمر الجنة: {لا فيها غول ولا عم عنها ينزفون} فكأن السر في تحريمها هو أنها تغتال عقولنا وتشربها وتورثها الخبل والصداع كما قال الأول:
وما زالت الخمر تغتالنا ... وتذهب بالأول الأول
وما ألطف قول بعض الظرفاء وقد ترك النبيذ فقيل له كيف تتركه وهو رسول السرور إلى