جانب زوجه مريم، وهما يلوحان يومذاك زوجين جيدين سعيدين، يضحكان ويبتسمان في وجوه الجميع الذين يحوطونهما، وكان نيقولا يلوح أضعف جثمانًا من أخيه جورج الذي قضى نحبه من السل في أنضر مراحل العمر، وقد اجتهد مستر هيث المعلم الإنكليزي الذي ألقي إليه أمر العناية بتأديب الفتى نيقولا في تربيته على الطراز الإنكليزي وقد رأيته بعد ذلك قوي الجثمان صلب العود جهير الصوت إذ جعلت الرياضة والألعاب البدنية التي لقنها على الطراز الإنكليزي رجلًا قويًا من ذلكم الفتى الضعيف النحيف الأعجف القصير القامة، ولكن لسوء الحظ لم تستطع التربية أن تزيل نقائض الخلق ومعائبه، فراح الجثمان قويًا صلبًا، ولما يزل جداره الذي يقوم عليه ضعيفًا متأودًا، وكان بطبيعته ذكي الفؤاد، أسوه بأهل جلدته فبقي الرجل ضعيفًا مستلينًا مسترخي الإرادة يستمع لكل إنسان، دون أن يحكم فيما يسمع رأيًا، أو يدير فكرًا، أو بصرًا، وأصبح بذلك هدفًا للحاشية، وضحية في أيدي الأدنياء وأهل المآرب السوأى، ولكنه مع ذلك كجميع ضعفاء الإرادة قد ينقلب في بعض الأحيان فيكون أعند خلق الله ولاسيما إذا اعتدى أحد على ما يحبه أو يهواه.
وكانت هذه النقائض الخلقية معروفة عند المقربين منه وأهل البلاط، قبل اعتلائه العرش، فجعلوا يستخدمونها في سبيل مصالحهم وغاياتهم، وكان القيصر من أصحاب الشخصيات المزدوجة، فإن في فؤاده ناحية من الخير، يقابله في الناحية الأخرى الشر كله، وقد قال أحد أقاربه أن الرأي الأول الذي يخطر للقيصر طيب صالح، ولكنه قد ينفذ الرأي الثاني، وهو عند الناس جميعًا أصلح من الأول، وإن كان عند القيصر أسوأ وأدل على الفطرة الشريرة.
ولعل أسوأ ما يقال عن القيصر نيقولا الثاني أنه لم يظهر في حياته شيئًا من الشخصية، بل كانت حياته طوال عمره بلا لون، ولم يكن يبدو في طبيعته شيء من الشر في طفولته أو شبابه، ولم تكن له مخاطرات الشباب وشقاواته ومجازفاته، بل كان ضؤولة من الضوؤلات، وكان هادئًا ساكنًا كأتفه الأشياء سكونًا بل كان كل ما يتلذذ به ويتلهى في صباه ورجولته وكهولته هو الجلوس ليلًا على ضباط حرسه القيصري، ومحادثتهم والسمر معهم، واحتساء المقادير الكبيرة من الخمر والمشروبات الكحولية ثم يتلو ذلك الغناء والضحك والرقص والمجون.
ولم تكن له ملذات غير تلك، ولا ملاهي ولا عادات ولا منازع وأميال، وكانت رياضاته