طوائفهم المتعددة طائفة تسمى فلاجلانت يعذبون أنفسهم ويسومونها أشد الخسف، قاصدين بذلك إبادة جنسهم، وانقراض عنصرهم من الأرض بنة، ومنهم طائفة أخرى تسمى محاربي الأرواح، يعملون على إبادة النسل والأملاك والحرث والضرع وقد أدخلت تعاليم المسيحية منذ زمن غير لبعيد ولكن الكنيسة كانت أشد ويلًا وحربًا عليهم من سواها، فبقيت الأوهام على حالها، بل اشتدت وتفاقمت وكره الروس القساوسة والكهنة ورجال الدين حتى أصبح الاعتقاد بينهم سائدًا أن الرجل الذي يلقى قسيسًا في الطريق يصيبه الشؤم، ويعاجله النحس، طوال نهاره، والفلاحون يبصقون وراءهم إذا التقوا بالقسس في الطرق تفاديًا من الشؤم، ولم يكن معشر الدينيين ورجال الكنيسة يصيبون شيئًا من الاحترام في الروسيا، لا من الطبقة العامة والصعاليك ولا من المهذبين ورؤوس القوم وسادات الشعب.
على أن هناك بضعة أفراد من رجال الدين استطاعوا أن يحدثوا تثيرًا عظيمًا في نفوس القوم، لأنهم كانوا أخوان فضل وقومًا أخيارًا، تقاة مخلصين، ومنهم أليادور الذي أثر في قلوب النساء في مقاطعات الفولجا وتبعه منهن ألوف إلى الحج إلى الأماكن المقدسة، وبنى أشياعه كنيسة عظيمة أمنع من الحصن وأمتن جدارًا. وهناك جعل يستخف بالسلطات الحكومية والدينية أشد الاستخفاف.
وكان راسبوتين شخصًا آخر من الأشخاص الغامضين ذوي التأثير العجيب السحري الرهيب، ولا سيما أنه كان جاهلًا كأفراد الشعب أميًا لا يقرأ ولا يكتب وفلاحًا شريرًا لا خير فيه وقد أشاع عنه الناس قصصًا غريبة، ووضعت عنه حكايات خرافية لا يحصيها العد، ولكن أمر الرجل لا يحتاج إلى كل هذه القصص فإنه لم يكن له تأثير إلا على النسوة، أما الرجال فلم يحدث فيهم حدثًا، وكان راسبوتين هذا اسمه معناه في الروسيا (الخليع الإباحي المتهتك) وفقد كان الرجل في الحقيقة كذلك، وقد كان مولده في قرية صغيرة في سيبريا، واشتغل في أول أمره خادمًا في دير فتعلم بضع كلمات من الإنجيل واقتطف منه شذرات كان يسمعها من أفواه سكان الدير وساداته.
وكانت نساء الطبقات العالية والطبقات الدنيا في الروسيا تعتاد بين الحين والحين زيارة الأديرة الواقعة في أنحاء المملكة، وأما النسوة الصغيرات فكن يسعين إليها على القدام، يستجدين في الطريق ويسألن الحسنات، حتى يبلغن الدير فيقدمن تحفًا وهدايا لزعماء الدير