يلوح كأنه يغالب إرادته ويحاول الاستناد والوقوف على رغم قوته، فرفع الأمير إذ ذاك مسدسه وأطلق الرصاص على صدر الرجل، فخر جثة هامدة، وعادة الأمير وقد اطمأن إذا ذاك ووثق أن المسموم قد قتل، فهرع إلى الحجرة الأخرى وأنبأ أصحابه بالخبر، فنهضوا جميعًا وراحوا يشهدون مصرع راسبوتين، فلم يلبثوا أن دهشوا أعظم الدهشة، إذ رأوا الرجل يزحف على الأرض يريد أن يفارق البيت جهد قوته، فأخرج كل مسدسه وأطلق الجميع الرصاص فأجهزوا عليه ثم حملت الجثة بعد ذلك إلى سيارة بالباب ونقلت إلى أحد ارباض المدينة فطرحت في النهر، حيث أخرجت منه غداة الغد.
هذه هي تفاصيل مقتل راسبوتين على حقيقتها كما قصها علي شاهد عيان، ولكن ذيل القصة لا يزال أغرب وأعجب، فقد كان يعتقد براتوبولوف الوزير المجنون الذي أراد أن يجاهد الثورة وكانت تعتقد القيصرة المتهوسة أن موت راسبوتين ولا ريب جالب النحس على الروسيا داك عرشها، ذهاب بريحها، وأما الشعور الذي ثار في أفئدة القتلة فلا يعرف عنه شيئًا، بل أن ما أعرفه هو أنهم في بادئ الأمر ابتهجوا باختفاء هذه الشخصية المفسدة الضالة، ولكن لم تكد تمضي بضعة أشهر حتى بدأ يغلب عليهم الاضطراب وتساروهم الوساوس، ويتلجلج في أذهانهم المريضة أوهام وخرافات، فأما الأميرة الشابة زوجة البرنس فيلكس يوزوبوف فقد قضت أيامها وهي ترسم أشكالًا مبهمة غامضة على الورق وتقول أن يدها تخط على هذى راسبوتين وأنه يمسك بيدها وهي ترسم تلك الأشباح ولم يكن أحد يستطيع أن يزيل من رأسها تلك الفكرة وهي أنها كانت تخط على الورق رسوم أيقونات وصلبان لأن زوجها قتل راسبوتين وكان واقفًا تحت أيقونة بين يدي الله، وتحت حمايته، وكذلك جنت تلك المرأة وتملكتها الاضطرابات العصبية، وأصبحت حزينة حزنًا عميقًا لا براءة لها منه ولا شفاء.
أما زوجها البرنس فكذلك أصبح مطرق الرأس حزينًا واجمًا إذ جعل يتراءى له شبح راسبوتين واقفًا تحت الأيقونة في اللحظة التي قتله فيها، واعتقد أنه ارتكب أمرًا أدًا، إذ قتل الرجل وهو واقف بين يدي ربه، واليوم أصبح الأطباء يخافون أن يؤدي هذا الوسواس بالأمير إلى الجنون، ويذهب برشده، والق يقال أن الروس قوم من الغموض وغرابة الأطوار بحيث يختلفون كثيرًا عن بقية شعوب الغرب، حتى لا يكاد أحد يستطيع إدراك