كذلك انطلقت إيزابلا إلى حجرتها كاسفة حزينة وظلت تبكي على الأمل الذابل، والنعيم الزائل وتراءى لها شبح لورنزو في الظلماء فأقبلت تناجيه وتعتنق الفضاء وانطرحت على فراشها تنادي واحرباه! أين هو ومن لي بأن أراه!
وهكذا بقيت إيزابلا أشهرًا تكابد من برحاء الكمد ما تكابد، فأغفت ذات ليلة فرأت فيما يرى النائم أن لورزو ماثل أمامها يبكي وقد شوه القبر جماله، وأطفأ من حسنه رونقه وصقاله. وسلب من صوته الرخيم مزهرًا وعودًا. وخد في خده الأسيل للدمع أخدودًا. ثم أن شبح لورنزو إلى الفتاة بعين لهفى مولهة إنسانها غرق يتجلى الحب في سنا بريقها وينفي سحر حلاوتها عوارض الرعب في قلب الغادة. ثم قص الشبح حديث مصرعه بصوت خافت حزين تحس في نبراته وحشة القبور. وأخبر بما صنع به أخواها في مجاهل الغابة تحت سرادق الورق الكثيف وكيف انقضا عليه فطعناه خلسة وغيلة في صمت وسكوت وشقا له لحدًا في الثرى الجعد البليل فدفناه وحثوا عليه ثم قال: واعلمي يا شقيقة الروح أن قبري تنبت عليه الأعشاب وتزخرف حواشيه أفانين الزهر والريحان وثمر التوت الأحمر وعليه حجر من الصوان وقد مدت فوقه يد الطبيعة سرادقًا من السرو والصفصاف وشجر أبي الفرو ينثر ورقه الأخضر وثمره الشائك ويغدو إليه سرب من الأنعام يطوف حوله ويحوم. ألا فاسعي إليه يا إيزابلا فاسكبي على ثراه دمعة حرة تبل ظمأي وتندي على كبدي وتضيء ظلمة ضريحي.
ما أنا اليوم إلا خيال يا إيزابلا أنتبذ من الأحياء مكانًا منعزلًا بعيدًا واقيم منفردًا على أطراف حاشية الحياة. وأتلو الصلاة على صدى أصوات الإنسانية المنحدر إليّ من متالع سيلها الجياش، وطنين قبائل النحل هو ناقوس جنازتي، وهديل الحمام في الأصائل والأسحار. وهذه الأصوات الدنيوية لا تزال تزداد غرابة في أذني وتباعدًا عن طبعي وذهني كابتعادك عني في عالم الأحياء.
إني أعلم ما كان وما يكون الآن. ولو أن الأرواح يصيبها الجنون لجننت من غوائل الزمان. ومظالم الإنسان. وإني وإن كنت قد نسيت طعم لذات الحياة الأرضية لأشعر الآن بلذة وجودك الهني، وأن صفرة وجهك الحزين تضيء ظلمة قبري الداجية وتدفئ أشلاء رمتي البالية. كأن ملائكة الجنان تزف إلي عروسًا من الحور، أجل أن صفرة محياك