وما زلنا إلى انتهينا إلى قصر الأمير، فرجع الحجاب بعد أن أسلمونا إلى الحجاب المقربين، فرقي بنا هؤلاء سلمًا من الرخام ينتهي بالراقي عليه إلى بهو عظيم يملأ صدر الناظر إليه مهابة وجلالًا فاجتزناه واجتزنا بعده غرفًا ومقاصير عدة حتى انتهينا إلى مجلس الأمير، وناهيك به ملجسًا لم أر ما هو أحق منه بقول من قال:
قصر لو أنك قد كحلت بنوره ... أعمى لعادة إلى المقام بصيرا
أبصرته فرأيت أبدع منظر ... ثم انثنيت بناطري محسورا
فظننت إني حالم في جنة ... لما رأيت الملك فيه كبيرا
تجري الخواطر مطلقات أعنة ... فيه فتكبو عن مداه قصورا
ضحكن محاسنه إليك كأنما ... جعلت لها زهر النجوم ثغورا
وإذا الولائد فتحت أبواه ... جعلت ترحب بالعفاة صريرا
عضت على حلقاتهن ضراغم ... فغرت بها أفواهها تكبيرا
فكأنما لبدت لتهصر عندها ... من لم يكن بدخوله مأمورا
ومصفخ الأبواب تبرا نظروا ... بالنقش فوق شكوله تنظيرا
وإذا نظرت إلى غرائب سقفه ... أبصرت روضًا من السماء نضيرا
وصنعت به صناعها أقلامها ... فارتك كل طريدة تصويرا
وكأنما للشمس فيه ليقة ... مشقوا بها التزويق والتشجيرا
فلما أقبلنا على المجلس غلبني البهر من جلالة الأمير، فسلم الفقيه الوثائقي ثم سلمت بعده بالإمارة فرد علي السلام باشًا في وجهي وأذن لنا بالجلوس، وقد كان قاضي القضاة جالسًا على يسار الأمير، ثم أخذ الأمير في أحاديث شتى يقصد بها لعله أن يؤنسني وينفي الوحشة عن ساحتي، وبعد أن آنس مني الأنس به قال: أي منتوى ينتوي أخونا المصري إن شاء الله، فقلت إني أنتوي يا مولاي القطر الأندلسي، فقال: ومتى زايل مصر؟ فقلت منذ نيف وعشرين يومًا فقال: وكيف فارقتها.؟ فقلت: على أحسن حال يا مولاي الأمير. فقال: وكيف حال الأمير أنوجور وحال كافور معه فقد اتصل بنا أن كاوفرًا قد استبد به وغلبه على أمره. فقلت: إذا كان كافور يا مولاي قد استبد بالأمير أنوجور فإن المصريين قد استبدوا بكافوا، فقد أصبح كافور للمصريين لا لنفسه ولا للأمير، فسيرته فينا عادلة رشيدة، وحاله