إلى قائد الروس فلما رأى العدو منظره الرائع بكوا واستعبروا، وانحنو خاشعين أمام هذه الوطنية الهائلة الجبارة التي أبت إلا أن تقاتل ملايين من الناس في سبيل إبائها وشرفها.
ماتت بولونيا إذ ذاك بانهزام ذلكم القائد، فأراد أن يعتزمل أرض وطنه فأوى إلى فرنسا، حيث قضى أخريات أيامه، فتلقته باريس عند قدمه باحتفال مهيب. وفي المأدبة التي أدبت تكريمًا له، وقد تذاكر المدعون الشقاء الذي حل بأهل بولونيا نديت عينه بالدموع وانفجرت بصبيب العبرات، فلما رفع الكأس ليشرب نخب فرنسا (عاجله القوم فقاطعوه صائحين) بل لنشرب نخب دموع كوشيوسكو العظيمة!
وأرادت الأندية السياسية أن تحتاط به وتلزم رفقته، ولكنه أبى إلا أن يعود إلى عزلته الأولى يوم كان في مطارف الشباب لأن العزلة هي الملجأ الوحيد الذي يستريح فيه الأبطال الذين خانتهم الأقدار، وتنكر لهم الزمن، وأرادت مدام دي ستايل وهي من هي ومكانها معروف في دولة الأدب، أن تتنازل عن كل شيء في الحياة في سبيل أن تجلس إليه وتدنو منه وتتسمع إلى حديثه، ولكنه لما كان يعلم من حبها لألمانيا، وإعجابها بالعظمة البروسية، لم يعجب بها ولم يمكنها من بغيتها، فإذا جلس في مجلس، أو حضر في ندوة، وأعلن الخادم قدوم مدام دي ستايل، لم يكن من ذل الرجل العظيم الجبار إلا أن يأخذ قبعته وعصاه وينطلق من المجلس هاربًا.
واجتمع به القيصر ألكسندر في باريس وطلب أن يحادثه، فلما تم له ذلك راح الكسندر يسأله: ماذا ترى من الوسائل الواجبة لسعادة بولونيا فلم يجب كوشيوسكو على سؤاله بل مشى إلى خريطة أوروبا المعلقة فوق الجدار فوضع إصبعه على نهر الدنيبر ثم على نهر الدوينا ولم يفه ببنت شفة، فأدرك القيصر مراده ووعده خيرًا.
وفي شهر أكتوبر عام 1817 أصيب كوشيوسكو بمرض خطير، فدعا إليه المسجل ووصى بجميع ممتلكاته إلى فلاحي قريته، وخص شيئًا منها لتربية اللقطاء، فلما اشتدت عليه العلة، صاح قائلًا: الآن قد شفيت وطلب أن يجيئوا له بسيفه الذي كان يقاتل به في معارك الوطن فلما وضع أمام عينيه أخذه إلى فمه فقبله طويلًا ولثمه لثمات حادة، وإذ ذاك اشتدت الحمى، وهو لا يفتأ ثغره مبتسمًا.
فلما حل اليوم الخامس عشر من الشهر، أحس أنه اليوم الأخير من حياته فنادى إليه