عهود الطفل الأصغر، إذ تراه صارفًا كل وقته إذا كان له أخ أكبر منه بعام أو أكثر من محاولة تقليد كل عمل يعمله وفي الإعجاب بكل ما يفعله أخوه الأكبر واحتذاء حذوه في جميع حركاته وسكناته وكذلك تجد الطفل الأصغر لا ينبعث إلى عمل إلا على هدي أخيه ولا يخف إلى فعل إلا مقلدًا شقيقه الأكبر، وكذلك يبقى حتى الربيع الخامس من العمر، إذ تتسع ملكته فتقل رغبة التقليد لديه، ويفكر بعض التفكير في العمل على هواه وسنته.
وأنت تعلم أن القدوة والمثل والأسوة معدية بين الأطفال فإذا أنت أحسنت تأديب أطفالك الكبار خف عنك بعض أعباء تربيتك الصغار إذ تجعل الكبار هم الذين يربون في الحقيقة أخوتهم الصغار ويكونون لهم قدوة تحتذى ومثالًا يترسم ولهذا ينبغي عليك أن تضاعف مجهودك ودأبك في العناية بتأديب صغارك لأن سلوكهم سيحدث تأثيرًا بينا في أولادك الذين سيخرجون للحياة بعدهم، وذريتك المستقبلين، وعليك أن تربي أطفالك الكبار ليكونوا قادة للصغار وهداة، وليشعروهم بالمسؤولية اللزام عليهم وبقوتهم على الخير والإحسان فلو نجحت في ذلك استفدت أنت وأطفالك الصغار وأمددت الكبار بباعث يحثهم على النماء الخلقي والذهني، فلا تنس مطلقًا هذا المبدأ وهو أ، يكون بنوك الكبار معلمين ومرشدين وهداة للصغار.
فإذا خابت مساعيك في هذه، فإنك حاصد من خيبتك أذى وضرًا إذ لا تلبث أن تجد بنيك الكبار معلمين وهداة وقادة للشر والنقيصة والإثم ولهذا كان خليقًا بك أن تمسك بالزمة من ذوائب شعره ولا تضيع وقتًا في الدأت على تربية طفلك البكر الأول.
وما أعجب ما تؤدي إليه عاطفة التقليد، فإذا وضعت الطفلة إصبعها في فمها أو هزت كتفها وقطعت شعرها بأناملها وأصرت على أن يكون ما تريد، وأن تفعل ما تحب وأن لا تعبأ بما يقال لها، وكانت هي أكبر أخوتها وأخواتها، فلا تلبث أن تجد هؤلاء يفعلون جميع ما فعلت ويقطعون شعرهم بأناملهم، ويبكون مثلها ويصرخون ولا يكون من ذلك إلا أن يصبح المنزل حديقة من حدائق القردة أو الدببة وبدلًا من أن تصلح خلق طفل واحد من أطفالك، ترى أنه ينبغي عليك أن تعالج سلسلة متماثلة من النقائض في جميع أطفالك.
ولهذا عليك أن تكون أبدًاُ على مرصد مفتح العين مرتقبًا، تعالج كل نقيصة بمجرد ظهورها، وتمنع سريان نقيصة من طفل إلى جميع بنيك.