طارئة ومداوة كل حادثة محتملة الحصول. ومصداق ذلك أنه لما ولي معاذ أمر اليمن سأله النبي بأي قاعدة يأخذ في إدارة شؤون ذلك القطر. فقال معاذ أمر اليمن بأحكام القرآن فقال النبي: فإذا لم تصب في الكتاب الحكيم ما تبتغي من الحكم فعلام تعول؟ قال معاذ على سنة النبي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا لم تجد بغيتك في ذلك فإلام تعمد؟ قال معاذ: إلى الرأي والقياس فسر النبي بهذا الجواب واستحسنه وأوصى سائر الولاة باتباعه.
ذلك الأستاذ الكبير الذي كان أعرف الناس باحتياجات وقته ومطالب أمته - أمة منغمسة في حمأة الانحطاط الاجتماعي والأخلاقي الموئس - أدرك بنفاذ بصيرته وبعد رأيه بل بنبوة وجداه أنه سيجيء وقت يفرق بين ما هو مؤقت وخصوصي وما هو دائم وعمومي من النواميس والنظامات. فقد قال عليه السلام ما معناه: أنتم في زمن إذا تركتك عشر ما أمرتم به بؤتم بالخسار والدمار وسيجيء زمن يفوز فيه من عمل بعشر ما يوصى به الآن.
أجل إن البلاء الذي حل بأمم الإسلام لا ترجع أسبابه إلى تعاليم محمد، وكيف يكون ذلك وإن الإسلام لأوفر الأديان نصيبًا من عوامل التقدم ووسائل التدرج والتطور وليس في كافة الملل والعقائد ما هو أنقى منه وأطهر وأشد التئامًا مع روح النهضة والرقي في مناحي الإنسانية.
إن معظم السبب في خمود جمرة العالم الإسلامي في هذا العصر وركود ريحه وفي جمود تيار النهضة والرقي فيه راجع ولا شك إلى فكرة كاذبة قد علقت بأذهان السواد الأعظم من المسلمين ورسخت في عقائدهم أيما - وهيب أن حق الاجتهاد وحرية الرأي والتفكير قد محي وقبر مع الأئمة الأقدمين وأن الجرأة على تعاطي هذا الحق في العصور الحديثة يعد وإثمًا وأن الرجل لا يصح اعتباره مسلمًا صحيح الإسلام إلا إذا كان تابعًا لأحد مذاهب الأئمة الأربعة وكان قد انصرف البتة عن حرية التفكير والاستقلال بالرأي إلى إتباع آراء رجال عاشوا في القرن التاسع. وكانت أذهانهم بطبيعة الحال خالية من أدنى فكرة عن مطلب القرن التاسع عشر واحتياجاته.
إن حياة وسلوك الكثيرين من مسلمي هذا العصر لهما اليوم أقل التئامًا مع تعاليم الأستاذ (النبي) ووصاياه وأكثر التئامًا مع آراء ونظريات المجتهدين والأئمة الذين حاولوا - كل على حسب مذهبه ونظره الخاص - أو يؤولوا كلمات الوحي التي هبطت على الأستاذ