بلادهم واستقرت بين ظهرانيهم واقتبسوا بعض عادات وأخلاق الفاتحين.
ولا يغيب أيضًا عن البال أن عهدنا بالإتجار في الرق غير بعيد، وأن كثير من الوجهاء إلى وقت قريب كانوا يذهبون إلى الأستانة ويشترون النساء للتزوج منهن أو التسري بهن.
غير أن هذا كله كان قاصرًا على الطبقات العليا أما سواد الأمة وجمهورها فقد ظل بعيدًا عن ذلك تقية منه. فالفلاح المصري الصميم يقنع عادة بزوجة واحدة ولا يطلقها إلا في الندرة ويعاملها معاملة القرين بخلاف الطبقات الأخرى التي اختلطت بالعرب والترك وغيرهم من الأمم الحربية التي نزحت إلى مصر فإنها شديدة البأس على نسائها وأطفالها، يكاد الرجل أن يكون ملكًا مستبدًا، كلما قام أو قعد وقف له الجميع إجلالًا وإعظامًا، وإذا جلسوا معه فخشب مسندة مطرقين إلى الأرض لا ينبسون بكلمة ولا يردون له رأيًا ولا يأنسون به. ولن تجد في مصر أكثر زواجًا وطلاقًا من البدو أو ممن أصلهم بدو.
لكن منذ أمد غير بعيد أخذت هذه الطبقات تتجانس مع بقية الأمة وتقترب عاداتها من العادات المصرية القديمة وتتقلص عنها قسوتها على النساء وشدتها على الأطفال والفضل في ذلك راجع إلى شرف محتد الأمة المصرية ومجدها الأثيل وإلى نسيم الرقي الاقتصادي والعلمي الذي هب على مصر فأنعش حياتها المادية والأدبية وحملها على السعي في إصلاح شؤونها السياسية والاجتماعية وتطلب نصيب أوفر من الحرية في الحكومة والعائلة وسيصل بها التطور في المستقبل القريب إلى ائتلاف في العادات والأخلاق ووحدة في الأحوال الشخصية فيتقاضى المسلم والقبطي أمام محكمة واحدة وعلى قانون واحد ولا يكون بينهما فرق في الزواج والطلاق. وقد برهنت المرأة المصرية في حركة الأمة الأخيرة على صدق هذه النبوة فقد اشتركت النساء في تعضيد الحركة الوطنية وضممن أصواتهن إلى أصوات الرجال وقابلن ذوي الشأن من أجانب ووطنيين وعرضن عليهم مطالب الأمة وسرن في الشوارع وعلى رؤوسهن تيجان الكمال والوقار يشهدن العالم كله على أن المرأة المصرية الحديثة جديرة بمركز نساء الفراعنة العظام.
إن نظام الحكومة صورة من النظام العائلي وعلى قدر ما لرئيس العائلة من سلطة يكون سلطان الحكومة. وإذا كان رب الدار جبارًا مستبدًا كان الحاكم كذلك. والبلد الذي تكون روحه عسكرية يكون الرجل فيه خشن المعاملة قاسي القلب شديد البطش صعب المراس