فهرس الكتاب

الصفحة 2870 من 3596

يتخلل ذلك صور أنيقة من صنع الشاعر تؤدي مناحي شعره أحسن أداء، ومنها ترى كيف تخضع اليراعة والريشة لكف واحدة.

ولا عجب أن يلم جبران بالحياة الطبيعية والمدنية جميعًا فقد عالج الأولى في مروج لبنان والثانية غي عاصمة الأميركان، فهو ربيب الحياتين، وخريج المعهدين.

وربما كانت عبقرية هذا الرجل غريبة في نوعها فلم أعرف فيمن عرفت قبله من العبقريين شاعرًا ومصورًا في آن.

وهو من هذه الناحية شاعر مرتين أو مصور مرتين فما أرى الشعر إلا تصويرًا والتصوير إلا شعرًا كما قلت في رواية لي:

إنما ريشة المصور تحكي ... قلم الشاعر المجيد تماما

هذه لا تني تصور محسو ... سًا وهذا يصور الأوهاما

ولأن نقرأ القصيد نقوشًا ... مثلما تقرأ القصيد كلاما

على أن جبران رغم شاعريته الجياشة المتوثبة لا يخلو شعره من سقط يقع فيه من ناحية اللفظ - فالشاعرية شيء والشعر شيء آخر ـ.

وربما كان ذلك راجعًا إلى اضطلاعه باللغات الأجنبية ومقامه في جو أجنبي.

فطالما احتال على معانيه الشريفة بلفظ سوقي أو منحوت ينبو له الذوق وتشمئز منه اللغة، وهو عيب لو تعهده بالرجوع إلى كتب العرب لأفلت منه.

من ذلك قوله:

فهو النبي وبرد الغد يحجبه ... عن أمة برداء إلا من تأنزر

وقوله:

من أمل بنعيم الخلد مبتشر ... ومن جهول يخاف النار تستعر

فإن في لفظي (الغد) بالتشديد (ومبتشر) لخزيًا للشعر ومهانة للشاعر.

هذا عدا الغموض واللحن الشائعين في شعره.

فإذا غضضنا الطرف عن اللفظ وتتبعنا المعنى وحده في كتابه لأكبرنا الشاعر الإكبار كله واقترحنا على الدهر أن يسخر للشعر العربي أمثال هذا الرأس العامر الحافل ليزجي إليه الفينة بعد الفينة موكبًا من مواكبه الفخمة. فإن الشعر العربي بحاجة إلى من يقول

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت