فهرس الكتاب

الصفحة 2894 من 3596

الحجرة بعينها وفي هذه الساعة بعينها كان يرى منذ ستين عامًا شابًا عاشقًا ينساب انسياب الأرقم في خفية وتستر بعد انصرافه من الخلوة بحبيبته يضم إلى صدره قبعته المثلثة الزوايا وهو الآن أعظُم بالية في قبره لم يبرح نهب الفناء والبلى الأعوام الطويلة ولكن قلب معشوقته الهرمة لم تقف نبضاته إلا الآن.

ووجد هرمان في أسفل السلم بابًا ففتحه بمفتاح ثم سلك دهليزًا أفضى به إلى الشارع.

الفصل الخامس

بعد مضي ثلاثة أيام من الليلة المنحوسة توجه هرمان الساعة التاسعة صباحًا إلى دير حيث احتفل بجنازة الكونتيس العجوز. فبالرغم من تحجر شعوره وموت عواطفه لم يتمالك أن أحسن شيئًا من وخزات المضير إذ ناجته نفسه أنت قاتل العجوز. . وبالرغم من قلة إيمانه وضعف عقيدته فقد كان شديد التأثر بالخرافات والخزعبلات فقام في عقيدته أن الكونتيس الميتة قد تنحس حظه وتشقي جده وتؤثر في حياته أسوأ الأثر. فعزم على أن يشهد جنازتها ليستميح عفوها وغفرانها.

كانت الكنيسة غاصة بالخلق فبعد جهد جهيد استطاع هرمان أن يشق طريقه وسط الزحام وكان النعش موضوعًا على دكة فاخرة تحت سرادق من القطيفة. وفي جوفه الكونتيسة ممتدة مضمومة اليدين إلى صدرها على رأسها قبعة من مهلهل النسيج وعليها ثوب من الحرير الأبيض وحول الدكة أهل القصر وأعضاء الأسربة فالخدام في القفاطين السوداء وعلى أكتافهم شعار نسب الأسرة وفي أيديهم الشموع والأقارب والأولاد والأحفاد وأولاد الأحفاد كلهم في ملابس الحداد.

لم تذرف على نعش العجوز عبرة ولم ترسل عل رفاتها زفرة فالكل مثلوج الصدر يبس المدامع بارد الأنفاس ولو سالت الدموع لعدت ضربًا من التصنع الكاذب والنفاق الممقوت.

فلقد كانت الكونتيس قد بلغت من الهرم ما أصبح الموت بعده أمرًا متوقعًا وشيئًا مألوفًا لا يحدث روعة ولا هشة. وكان أهلها قد أخرجوها منذ حين طويل من عداد الأحياء وشطبوا اسمها من قائمة أهل الدنيا.

ثم صعد المنبر خطيب مصقع ذائع الصيت فألقى خطبة الجنازة فوصف في أبين عبارة وأرقها وأسهلها انتقال الأبرار من عالم الفناء إلى عالم البقاء. ونعت عيشة الكونتيس البارة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت