جبهتي بالقبلات ولقد كانت كآلام الرؤوم بل كانت أكثر من ذلك وأسمى ففتح لها القلب أبوابه وأباحها ملكه وكنت في يدها كالطفل فأقسمت لها اليمين التي تريدها ولم يكن في إعتقادي أن البؤس سيجد إليّ سبيلًا بعد هذا ومضى على اجتماعنا الساحر البهيج أكثر من شهر ففي الصباح كنت أسمع صوت أختي فأشعر في نفسي برعدة فرح وهزة طرب وكانت الطبيعة قد حبتا مليا بصفات مقدسة فكان لروحها من الخفة البريئة والظرف ما لجسمها من البضاضة واللدونة وكان لإحساسها ما لا يجد من الوداعة والعذوبة واللين وكانت لها نفس حلوة لذيذة خيالية حالمة وكان الناس يقولون أن بين قلبها وفكرها وصوتها تناسبًا تامًا وكان لها من صفات النساء الحياء والمحبة ومن صفات الحور الطهارة ورخامة الصوت وجاء الزمن الذي أكفر فيه عن هفواتي السابقة فقد سألت الله مرة في هذياني أن ينزل بي ملمة لتكون لي سببًا محسوسًا يبعث على الألم ويدعو إلى الحزن وقد استجاب الله هذا الطلب الرهيب في ساعة من ساعات غضبه وبماذا أبوح لكما الآن يا أخوي؟ انظرا فهذه الدموع تسيل من جفني تباعًا.
ومن منذ أيام لم تكن في وسع أحد الوقوف على حقيقة ذلك السر الذي اكتتمته ولكن الآن قد قضي الأمر وإنه في كل وقت ينبغي أن تدفن هذه القصة في قبور النسيان فتذكرا أني قد قصصتها عليكم تحت ظلال سرحة في الصحراء - ثم تحمل عنا الشتاء وشاهدت أن امليا تفقد راحتها وتشكل صفوها وأنها أخذت في النحول ونال منها الوهن وبأت عيناها تغوران واصبحت مشيتها بطيئة وصوتها قلقًا مضطربًا وقد فاجأتها يومًا تبكي عند أقدام صليب من الصلبان وأصبحت الدنيا والوحدة ومرور الليل والنهار - أصبحت كل هذه المظاهر تخيفها وبرعبها وكان يرتسم على شفتها الألم والملل.
وكانت في بعض أوقات تقبل على العمل بدون كلال أو تعب وفي بعض الأوقات كان يجهدها المشي وكانت تبدأ العمل ثم تتركه وتفتح كتابًا للقراءة ولا تقرأ منه سطرًا واحدًا ثم تنهل من عينها بوادر الدموع فتطلب العزلة والعبادة وقد حاولت عبثًا الاهتداء إلى سرها ولما سألتها مرة وأنا أضمها بين ذراعي قالت لي بابتسامة حزينة أنها مثلي لا تدري سببًا لما بها ومر على ذلك ثلاثة أشهر وكانت حالتها تزداد سوءًا في كل يوم عن سابقه وظهر لي أن مكاتبان سرية كانت تصلها فتسبب لها البكاء وكانت تبدو عليها علامات الهدوء أو