صورة منها. فهذا المعنى الفلسفي يحتاج إلى إبرازه في تلك الأشكال المستنكرة لتقريبه من أفهام الجماهير الحشية البهيمية. وكذلك نرى في هذا المذهب المتناقض الطرفين قطبي الإنسانية: أعني حكمة الفرد (العبقري الواضح لتلك الأسفار الحكيمة المقدسة) وبهيمية الجماهير وكلا القطبين يلتقيان على كل حال في نقطة ائتلاف مشتركة بينهما في العالم الأخلاقي. ومن ذا الذي لا يذكر حكمة القائل إن الغوغاء والطغام يبدون لي كأنهم بشر على أني لم أر في صنوف الخلائق مثلهم حمقًا وخسة وغباء وقول الآخر يا أشباه الرجال ولا رجال وبيت القائل:
إني لأغمض عيني ثم أفتحها ... على كثير ولكن لا أرى أحدًا
إن العالم التحرير يعد الدين من قبيل العناصر الإصلاحية فيراه ضروريًا للجماعات كالملح للطعام ويمكنه أن يتخذ لنفسه سرًا مذهبًا فلسفيًا واحدًا لا يصلح لكل الناس. فكل فلسفة تجذب إليها - بناء على ناموس التآلف الطبيعي - فريقًا من الناس تكون ملائمة لأسلوب تعليمهم وكفاءتهم العقلية. وعلى ذلك فلا يزال ثمت مذهب فلسفي (غيبي - متعلق بما وراء الطبيعة) لمتعلمي العوام ومذهب أرقى للفئة القليلة المختارة. مثال ذلك أظن مذهب الفيلسوف كانت - ذلك المذهب الأشرف الأسمى قد تناوله العلماء فرايز وكروج وسالات بالإفساد والتنكير والحط والتسفيل تنزلًا به إلى مدارك العامة واحتياجاتهم. وهذا مصداق لقول جيتا (شاعر الألمان الأكبر وكاتبهم الأشهر) الواحد لا يكفي الجميع. فمحض الإيمان بالوحي والتنزيل ومحض الفلسفة هما طرفا نقيض وقطبا تباين واختلاف تنحصر بينهما عدة مذاهب هي بمثابة تعديلات وتحويرات مؤلفة من عناصر هذين القطبين وجزئيات ذينك الطرفين بما يلائم مآرب ومشارب لطبقات المنوعة والفرق المختلفة. وهذه نتيجة لزومية مترتبة على ما أحدثته الطبيعة ونظامات التربية بين ضروب الناس وصنوف البشر.
الفيلسوف - إن رأيك هذا يذكرني ما قد ذكرته قبل من أسرار القدماء وإنهم كانوا يرمون إلى معالجة الشر المترتب على فروق الكفاءات العقلية وأساليب التعليم وكانت خطتهم في ذلك إنهم ينتخبون من بين الجماهير أناسًا قلائل فيكشفون لهم قناع الخفاء عن جانب من الحقيقة فيبصرون طرفًا منها بعد أن كانوا في ظلام دامس وعمى مطلق عن جميعها. ثم