في تضاعيف كلامه رنة مؤثرة تجذب نحوه القلوب وكان يزيده إنكارًا لذاته وتجردًا عن شخصيته.
وقد كانت مع أصدقائه خضر الربى موطأة الأكناف وكانت أحاديثه جذابة حلوة المساق إلا إذا عاج به الحديث على المسائل السياسية فقد كان يتحول من الهدوء والسكون إلى الثورة والانفعال ويحور صوته المؤثر الرخيم الحواشي زأر أسد أو عزيف عاصفة وكان عسر الخليقة شديد القسوة مع رفاقه السياسيين. وكان كثير الثقة بنفسه والتثبت من آرائه كأنه كان يشعر أنها ضرب من ضروب الوحي والإلهام فهي مسلمة من الخطأ ولذل كان لا يسمح لأحد من حزبه أن يتخطى حدود أفكاره أو يخرج عن دائرتها وتغلب هذه الصفات على رؤساء الأحزاب السياسية العظماء، ونحن نعرف أمثالها في سعد زغلول باشا رئيس وفدنا المحبوب، وتتشابه أخلاق العظماء على الرغم من اختلاف البيئة وتفاوت الزمن.
وقد كتب المقالة التي انتخبنا منها النبذة الآتية وهو في المنفى ليستحث عزيمة حزبه ويدعوهم إلى النهوض والثورة.
إن دماء الأبطال المراقة وعبرات الأمهات المسفوحة ستسقيان قبور الشهداء وتبتلان ثراهم ونحن أوفر من أعدائنا شجاعة وأقدامًا وأميل منهم إلى التضحية وتكريس حياتنا وأعرف منهم وأبصر بحوائج العصر ولوازمه وروحه وطبيعته ولقد شردنا عن أوطاننا فحملنا إلى مطارح الفي ضميرًا نقيًا ونية ثابتًا وإن مصير أعدائنا مرتكز على نجاح مساعينا فإن تولت بهم الليالي وهي متدبرة وإلا متنا كرامًا أحرارًا وإننا نسير تحت العاصفة والسحب المتلبدة الكثيفة في السماء ولكن هناك وراء تلك السحب الشمس الخالدة إنهم ليحجبونها عن عيوننا زمنًا ولكنهم لا يستطيعون إذهابها من الأفق وإن العالم يتقدم إلى الأمام بخطوات رزينة ثابتة ومحال أن تعترض تقدمه قصاصات أوراق الساسة الدنسة ودسائسهم الوضيعة وإن الإسراع في الحركة هو سر الانتصارات الكبيرة.
وينبغي لنا أن لا نقصر نظرنا على أنفسنا فإن داخل النفس أنفاس القبر الباردة والشك يسير بين المقابر والأطلال تتبعه الأنانية وإن الشعوب ستتبوأ في المستقبل مقاعد الملك لا الملوك ولا الإشراف وإني أقول قولة حق أن الأمة التي قد تأصل حب الحرية في قلوب أفرادها رسب الميل إلى التضحية في قرارة نفوسهم واستظهروا أسباب الثورات ونتائجها