الهائلة ثم اصرف نظرك وحوّل بصرك وحاول إن استطعت أن تنساها أو تتناساها. فإذا عرفت هذه القوة الهائلة وأدركت في كل ذرة نم ذرات الكون معناها فلقد بدأت أن تعرف الواجب
أن تجلى أسرار الحياة بعد طول غموض واحتجاب قد يحدث لبعض الناس فجأة وبغتة ولكنه متى حدثت كان فاتحة عهد جديد في تاريخ حياته. ولقد قبل الكاتب الكبير إمرسون في هذا الصدد ما فحواه أن الحوادث التي تكشف لنا الحجاب عن أسرار الحياة يكون لها نم العمق ما ليس لغيرها من الحادثة وهذا العمق يقذف لنا من الحقيقة أضعاف ما تلقي به إلينا الحوادث العادية السطحية. ومن هذه الأحداث العميقة حادث الحب فالحب يعتري أحدنا فيزلزله زلزالًا ويصدع حجب روحه كأنما قد انفجر في أعماقها بركان. وقد تبدر من الإنسان فعلة يأسف على إتيانها تستثير في نفسه ندامة تظل سحابتها السوداء ناشرة ظلال الأسى فوق رأسه طول حياته ولكن لهذه السحابة بروق تريه شيئًا كثيرًا من الحقيقة وإن كانت بروق صواعق.
ودقائق معاني الأسرار الغامضة ربما غتتنا نم ثنايا الجمادات وتضاعيف الكائنات الطبيعية. واستشهادًا على ذلك أسرد ههنا الفقرة الآتية من رواية. أو برمان، وهي قصة فرنسية كان لها في زمنها7 شأن. وها هي الفقرة. باريز في 7 مارس. كان الجو مظلمًا باردًا وكنت أشعر بكآبة وانقباض فجعلت أطوف في الطرقات إذ لم أجد لي شغلًا سوى ذلك. فجزت أثناء جولتي ببضع أزاهير مدلاة على جدار. وكان بين هذه الأزاهير جلنارة قانية زاهية وكانت هذه الجلنارة أسطع عنوان على الشهوة الملتهبة والشوق المشتعل. وكانت باكورة رياحين الربيع فلما تنسمت عبقها. وتوسمت رونقها. أحسست كأن كل ما قدره الله من سعادة لبني الإنسان قد شاع في جوانحي واستفاض في ضميري. أجل أن خيال الحياة الملائكية الوهمية. وشبح السعادة الأبدية الحلمية. قد تمثل في صفحة ضميري تامًا مستكملًا. وإني أشهد الله أني ما شعرت قط بشيء يداني ذلك المعنى أو ذلك الشكل أو تلك المشابهة الخفية التي جعلتني أبصر في تلك الزهرة جمالًا غير محدود وجلالًا غير محصور. . . . . وليس في مقدوري ولا في مقدور أي إنسان أن يعبر بالألفاظ عن كنه تلك القوة وماهية تلك العظمة! التي لا ينهض بنعتها شيء في عالم السموات والأرض.