نواح قاصية وبين هذا الذي يعتقد أنها لا تنير سوى روحه ولقد توجد قوة وقتية في الحق الطموح المتطلع ولكن القوة التي تأتي من ناحية الحق المتواضع المتخشع أكثر دوامًا وأبقى على الزمن، ولخير لنا أن نكون مثل الجندي الذي يغرف صغر قدره وتفاهة تأثيره في المعركة ولكنه يظل يجاهد بقوة وعزيمة مشدودة نم أن نكون مثل الجندي الآخر الذي يخيل له أن كل ضربة من ضرباته تقرب النصر وأن الرجل المهذب المستقيم ليحقر أن يخدح جاره ويزيل له المحال ولكنه شديد الميل إلى أن يعتبر أن مقدارًا من خداع النفس لا يمكننا فصله عن المثل الأعلى وإذا كان في الفضيلة مكسب وربح فإن أنبل الناس نفسًا يرغم على أن يفتش عن السعادة في مظان أخرى.
لماذا لا نعتقد أنه ليس من واجبنا أن نرسل العبرات مع كل الباكين ولأن نشاطر الأحزان كل موجع كسير القلب وأن نعرض قلبنا لكل طارق فيلاطفه ويسليه أو يطعنه ويدميه؟ إنا لا نجد من الدموع والجروح والآلام أعوانًا إلا إذا كانت لا تحل منا عرى العزمات ولا تقدح منا في معاقد القوة والثبات، ولا يغيبن عن بالنا أنه مهما متن رسالتنا في الدنيا ومهما كان الغرض من مساعينا وآمالنا ومن نتيجة أفراحنا ومسراتنا فنحن قبل كل شيء حراس للحياة وإن هذا لا صدق الحقائق وأثبتها بل هو الأساس الذي تشاد عليه أخلاق البشر وآدابهم، وإن الحياة منحت لنا السبب نجهله فليس من شأننا أن نصغر من قيمتها وأن نقذف بها في زوايا الإهمال وأننا نمثل في هذا الكوكب الأرضي حياة الشعور والفكر ولذا فإن كل الميول التي من شأنها ان تطفئ حماس الإحساس وتفت قوة الروح هي في مصدرها غير تهذيبية، وواجبنا هو أن نتعهد ذلك الحماس وأن نزيد في قيمته ونعلي من أمره ولنحاول دائمًا أن نتهدى إلى يقين أعمق في عظمة الإنسان وفي قوته وفي مصيره ومآله أوفى شعفه وشقائه وبؤسه ومرارته لأن الشفاء النبيل السامي ليس بأقل إنهاضًا للروح نم السعادة النبيلة السامية من أشعتها إلى ميولنا وأفكارنا وتبعث من ضيائها إلى شجاعتنا وأقدامنا وإن كل جمال تأخذه العين ويستمكن منه البصر فيما حولنا لجميل أيضًا في نفوسنا وإن كل ما نجده في نفوسنا عظيمًا مستحقًا للإجلال والتوقير نجده أيضًا في نفوس الآخرين واني لا أستطيع أن أجعلك نبيل النفس ما لم أكن نبيلها ولست أمنحك إعجابًا ما لم يكن في روحي شيء يستوجب الإعجاب.