على إتيان أعمال هي من الدقة والضؤولة وصغر القيمة كان الواجب أن تكون مندمجة في حركات أعصابه الاضطرارية تحصل من تلقاء ذاتها فلا يكاد يحسها أو يشعر بجريانها. فإذا كان بين قرائي الذين يتلون الآن هذا المقال إنسان مصاب بمثل هذه العلة فليبدأ لتوه ولحظته بمعالجتها ولمس الخلاص منها.
جاء في رسالة (العادات الأخلاقية) للبروفيسور (بين) بضع نصائح عملية عظيمة الفائدة أخص منها اثنتين بالذكر وهما (1) عند استشعارك عادة جديدة أو تخليك عن عادة قديمة اجتهد أن يكون ابتداؤك مشفوعًا بأقوى وأمضى ما يستطاع من الدوافع. وذلك بأن تهيئ حواليك من الظروف وترشح من الأسباب وتخلق من الأحوال كل ما هو جدير أن يستحث العزيمة ويستثير الهمة أجل يا فتي! ولتضع نفسك عنوة في تلك الظروف التي تعرف أنها مليئة أن تحدوا بك إلى الخطة الجديدة وتحملك عليها. كأن تجدد عقودًا ومعاهدات منافية للقديمة وكأن تشهد الأمة والجمهور على نفسك علنًا. وقصارى القول يجب عليك أن تؤيد عزيمتك بكل مل تستطيعه من وسائل التنفيذ والإمضاء. وأعلم أن هذا يعير فاتحة عزمك من المضاء والنفاذ والقوة ما هو خليق أن يجتاح ما لابد أن يعرض لك في طريقك من دواعي الشهوات فيؤجل ساعة انتكاصك وانتكاسك وكل برهة تأجيل لتلك الساعة المشؤومة تبعد احتمال وقوعها وتقل من فرص عودتها.
أما النصيحة الثانية فهي. لا تسمح بأي شذوذ عن عادتك الجديدة حتى تتأكد أنها قد تأصلت في حياتك الجديدة ورسخت. فإنك إن فعلت ذلك فإن مثلك كمثل رجل قد تناول خيطًا طويلًا وأخذ يطويه على هيئة كرة فكلما أفلتت الكرة من يده فسقطت انحل بالسقطة الواحدة من الخيط ما لا يتأتى طيه ثانيًا إلا بخمسين لفة أو أكثر. والحقيقة أن مواصلة التمرين وإدامة التدريب هي خير وسيلة لحمل الجهاز العصبي على أداء حركاته بضبط ودقة دون أدنى شذوذ أو إخلال. وبلا أقل تقصير أو إهمال.
لا يستطيع امرؤ أن يبدأ بإصلاح أمره أو تعديل خطته حتى يكون قد بدأ أولًا بإرغام نفسه على ركوب المسلك الوعر المستقيم وعرف كيف يروض نفسه على المضاء فيه مندفعًا منصلتًا مشمراًّ منجردًا غير ناظر حواليه لا يمنة ولا يسرة أما الذي لا يزال يجدد لنفسه كل يوم عزمًا فمثله كمثل من يريد أن يطفر من فوق حفرة فهو كلما أوفى على حافتها وقف