فهرس الكتاب

الصفحة 3349 من 3596

بشوائب ما يجاوره أو يخالطه مما عداه من الأشياء أنكره وجهله!

وقد ظهر أن الإفراط في قراءة القصص ومشاهدة التمثيل مدعاة إلى تفشي هذه الرذيلة في طبقات الأمم، فإذا طلبت دليلًا على ذلك فانظر إلى السيدة الروسية في مركبتها الفخمة تجرها الجياد الضخمة وهي تتلو بعض الروايات التراجيدية ودموعها على الصفحات تنحدر حزنًا على شخص بائس من أشخاص الرواية وقد غاب عنها أنه أبأس من ذلك البائس وأسوأ حالًا ذلك السائق المسكين الجالس خارج زجاج المركبة معرضًا لغوائل الجو وجوائحه وسياط الزمهرير تمزق جلده وكلب الشتاء يكاد يسلب روحه. بل إن الإفراط في استماع الموسيقى إذا لم يكن لأغراض فنية وعلى سبيل الرياضة الذهنية بل كان لمجرد الاسترسال في الشهوة الحسية كان جديرًا أن يحدث فتورًا وخورًا في القوة الأخلاقية لأن الألحان تبث في فؤاد السامع من الإحساسات والانفعالات والعواطف ما لا يستطيع أن يخرجه من حيز الشعور إلى حيز الفعل فيبرزه في صورة أعمال جليلة ومآثر نبيلة ومن ثم ينشأ في المرء ذلك الخلق الممقوت الجامع بين اهتياج الشعور وجيشان القلب بالعواطف الكريمة وبين الخور والفتور والعجز وسقوط الهمة - فترى أمامك قلبًا يتأجج غيرة وحمية ويدين مغلولتين عن الخير والبر وأماني وآمالًا تسمو إلى السماء وتقاعدًا وتبلدًا وتثاقلًا تهبط وترسب إلى الحضيض. فالعلاج الوحيد لذلك هو أن الواجب على المفرط في سماع الموسيقى أن لا يدع قلبه يمتلئ بعاطفة أو انفعال إلا إذا كان قد عزم على إبراز هذا الشعور بعد قليل في صورة فعلة كريمة أو مأثرة حميدة - ولو لم تكن إلا الشيء القليل الضئيل، كإهداء الكلمة الطيبة أو اللفظة اللينة لأحد الأقارب أو الأباعد أو كإيثار أحد الجلساء بمجلس ألين وأوثر، أو وقاية بعض الزملاء من الحر أو المطر بمظلتك وهلم جرا. هذا وأمثاله من تافه الفعال وضئيلها هو ما يجب عليك أن تصنعه تعبيرًا عن شعورك وإبرازًا لإحساسك وضنًا بالعاطفة الشريفة أن تذهب سدى وتفني بخارًا ولا عار عليك في ضؤولة مثل هذه الفعال وتفاهتها إذ لم تستطع غيرها ولم تسنح لك الفرصة بما هو أجل منها وأعظم.

وكما أننا إذا تركنا إحساساتنا وعواطفنا تتبخر دون أن نطلقها من مكامنها على هيئة أعمال فاضلة فإنها تعتاد هذا التبخر ويصبح لها ديدنًا ودأبًا فكذلك إذا نحن أحجمنا عن بذل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت