فهرس الكتاب

الصفحة 3376 من 3596

هذه الشخصية التي هي قوة مستكنة كامنة تؤثر في قلوب من حولها تأثيرًا مباشرًا بلا واسطة بمجرد وجودها - هذه القوة المتعذرة الوصف والتكييف والتي يمكن تقريبها إلى الإفهام بأنها أشبه شيء بروح أو طيف يكمن في فؤاد البطل يوحي إليه ويلهمه ويحثه ويدفعه ويجعله غنيًا بنفسه عن المؤازر والمعاون ويتركه وكأنه قبيلة في فرد وأمة في شخص - هذه القوة الهائلة والنار المقدسة التي نزلت من السماء على أفئدة أعاظم الأبطال ممن ذكرنا آنفًا فرفعتهم بقوة لهيبها إلى مقام القديسين والملائكة - هي أيضًا مما أراد الله أن يمتاز به زعيم الأمة المصرية وبطل النهضة العصرية سعد زغلول.

إن صاحب مثل هذه الشخصية ينال انتصاراته بغريزة تفوقه وسبقه وبفضل تغلبه وسيطرته وليس بحد الحسام ولا بقذائف المدفع بل السر في في انتصاره هو أن مجرد ظهوره على مسرح الدنيا يبدل صورة الأحوال ويقلب نظام الأمور والمسائل. لقد جاء في أساطير اليونان أنه لما سئلت (ايولي) كيف عرفت يا ايولي أن هرقلًا اله أجابت (لأني عندما وقع عليه بصري انشرح صدري واطمأن قلبي. وهذا ما لم أحسه حينما أبصرت(ثيسيوس) ولذلك طلبت أن أراه يصارع الأبطال في حومة الوغى أو على الأقل يركض أفراسه في المضمار، أما هرقل فلم ينتظر فرصة الصراع والجلاد ليثبت تفوقه وغلبته كلا. ولكنه نال الظفر والنصر سواء أكان واقفًا أم سائرًا أم قاعدًا أم على أية حال غير ذلك).

هذه الشخصية هي قوة طبيعية كالحرارة والضوء. فإذا هي عملت فإنما الطبيعة بأكملها معها تعمل وتشترك وإياها، تساعد وتساند. وإذا كان الرجل الاعتيادي الضعيف يكون دائمًا مفكك الصلة بالعالم الذي يعيش فيه فإن البطل القوي صاحب هذه الشخصية يرى كأنه يحيا بنفس الروح التي تحيا بها الكائنات وينبض فؤاده على نبضات قلب العالم وكأنك تبصر فيه أحد القوانين والنواميس التي تضبط مسرى النجوم والأفلاك وحركة المد والجزر. ولست أرى في مسألة تأثيرنا وخضوعنا لشخصية هذا الإنسان دون غيره إلا أمرًا بسيطًا جدًا لا يختلف عن نظرية الجاذبية التي تشمل العوالم والأكوان جميعًا - أعني انجذاب الأصغر إلى الأكبر. بيد أن مقياس الصغر والكبر والضؤولة والعظمة في الإنسان هو مقدار ما فيه من عنصر الصدق والحق. فالرجل الطاهر النقي المفعم بروح الحق والنزاهة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت