جنازتك الحقيقة أن الناس ما عرفوا قط قدرك ولا حاولوا أن يعرفوا ذلك ولا همّهم وهنا تستعرض ماضي حياتك فيتبين لك بلا أدنى ريبة أنك مازلت منذ خرجت إلى هذا العالم الملعون مهضومًا مظلومًا مغتصب الحقوق مبليًا بالإساءة والعقوق.
وما هي إلا برهة تقضيها في مثل هذه الهواجس الأليمة حتى تثور شياطين الغضب في دماغك فتقوم قيامتك على أهل السماء والأرض ولا سيما على نفسك فتهم أن تقذف نفسك من النافذة ولكن النافذة مغلقة. وأخيرًا تحين ساعة النوم وتلك هي التي تنجيك من خطر الانتحار. قتنضو ثيابك وتبعثرها في جميع أنحاء الغرفة وتطفئ المصباح وتثب إلى الفراش كالهارب من طوفان أو بركان. وهنالك تقضي ساعتين أو نحوهما بالتقلب والتململ منوعًا هذه الحركة الدائمة بقذفك الغطاء برجليك ثم قيامك على الفور لإعادته مكانه. وأخيرًا تغشاك هجمة مؤرقة مضطربة منغصة بالأحلام الكريهة.
هذا ما يصيبنا نحن معشر العزاب. أما المتزوجون فغير هذا حالهم وخلاف هذا شأنهم ودأبهم - انظر هؤلاء يسطون على زوجاتهم ويتسخطون على طعامهم ويصولون على أولادهم وهذا كله يحدث في البيت هرجًا ومرجًا وصخبًا ولجبًا وفي ذلك وحده تخفيف ما بهم وتنفيس كربهم. ولا بدع فإن المشاحنات هي الدواء الوحيد لداء (ضيق الصدر) وهي المسلاة والملهاة والمتعة الوحيدة التي يستطيع صاحب هذا الداء أن يجد فيها مستراحه ومستلذه.
بيد إن ضيق الصدر هذا قلما ينتابه إلا مساء، إذ في أثناء ضوء الشمس والعالم يتدفق تياره جياشًا بالحياة شدّ ما يصعب علينا أن نقف لنسترسل في زفراتنا وعبراتنا وفي شكوانا ونجوانا. ولا عجب فإن جلجلة مكينة الحياة العملية جديرة أن تغمر همسات شياطين الهموم المسوسة في آذاننا. فنحن في أثناء النهار نكون عرضة لأن نغضب ونثور ولكن لا يكون (لضيق الصدر) على نحو ما وصفنا آنفًا - سبيل علينا - كما أننا نكون أيضًا بمنجاة من لوعة الحزن والآسى ورقة الشجن والشجى. ومن ثم ترانا إذا غاظنا شيئ أثناء النهار رفعنا أصواتنا بالسب وأيدينا بالضرب. فإذا أصابتنا السيئة ليلًا في الساعة العاشرة مثلًا عالجناها بقراءة الشعر المحزن والمأساة أو بالجلوس في الضلام والأمل في حقارة الدنيا وبؤس العيش وغرور الحياة.