على أية حال؛ فمن الأمور المؤكدة أن الروح الصليبية ظلت تحرك الغرب الأوروبي، بل وضمنت لها قطاعات لم يسبق لها الإسهام في تاريخ الحروب الصليبية وخير مثال دل على ذلك نجده في صورة حملتي الأطفال عام 1212م/609هـ.
1 -حملة الأطفال: وقد حدث أن صبيًا فرنسيًا يدعى ستيفن من مدينة كلويس، رأى رؤية منامية مؤداها؛ أن السيد المسيح عليه السلام؛ أتى إليه في المنام، وأمره بأن يدعو إلى قيام حملة صليبية إلى بلاد الشام وقد تجمع حوله عشرات الآف من الأطفال، وتصور أن البحر سينشق لكي يعبر هو ورفاقه إلى القدس، واتجه الجميع إلى مرسيليا، وهلك الكثيرون من مشقة الطريق، ولما وصلوا إلى البحر لم يجدوه قد انشق، وانتهى الأمر بأن تم نقلهم بالسفن إلى فلسطين ويلاحظ أن تلك الظاهرة الطارئة الجديدة، لم تكن خاصة بالصبية الفرنسيين فقط، بل أنها شملت كذلك الصبية الألمان، إذ أن صبيًا يدعى نيقولا، ظهر في كولونيا بألمانيا، وتصور أن بإمكانه تحرير بيت المقدس، وجمع حوله الآلاف من الصبية وسلكوا طريقًا إلى إيطاليًا من خلال جبال الألب، وقد هلك الكثيرون منهم في الطريق وهناك رأى يرى أن أولئك الصبية انتهى بهم الأمر بأن بيعوا في أسواق النخاسة في عدد من المدن الإسلامية والواقع: أن حملة الأطفال تحتاج منا إلى وقفة، لأنها من أكثر الحملات الصليبية التي تعكس لنا روح ذلك العصر وطبيعته ومن الجلي البين أن الغرب الأوروبي في العصور الوسطى تعاظمت لديه الجوانب الغيبية وكذلك الرؤى والأحلام وكل ذلك من خلال تدين عاطفي لا يعطي للعقل أي مساحة فيه إلا القليل النادر، وهكذا أن آتون الحروب الصليبية يزجَ فيه بأطفال صغار أبريًا، كانوا جزء من الهوس الديني الذي شمل الغرب الأوروبي حينذاك، ودفعوا حياتهم ثمنًا لكل ذلك، ويقرر البعض أن المستوى الفكري للناس في أوروبا العصور الوسطى حينذاك ساعد على الاعتقاد في صليبية الأطفال [1]
(1) الحركة الصليبية (2/ 954) سعيد عاشور.