1 -غلاء وفناء ووباء: في سنة 597هـ اشتد الغلاء بأرض مصر جدًا، فهلك خلق كثير جَّدا من الفقراء والأغنياء ثم أعقبه فناء عظيم، حتى حكى الشيخ أبو شامة في الذيل [1] أن العادل كفّن من ماله في مدة شهر من هذه السنة نحوا من مائتي ألف وعشرين ألف ميَّت [2] وأكلت الكلاب والميتات في هذه السنة بمصر، وأُكل من الصَّغار والأطفال خلق كثير يشويه والِدَاه ويأكلانه، وكثر هذا في الناس حتى صار لا ينُكر بينهم، ثم صاروا يحتالون على بعضهم بعضًا، فيأكلون من يقدرون عليه ومن غلب من قِوىَّ ضعيفًا ذبحه وأكله وكان الرجل يُضيف صاحبهَ فإذا خلا به ذبحه وأكله وُوجد عنده بعضهم أربعمائة رأس وهلك كثير من الأطبَّاء الذين يُستدعون إلى المَرضى، فيذبحون ويؤكلون، وقد استدعى رجل طبيبًا فخاف الطبيب وذهب معه على وجَلٍ، فجعل الرجل يتصدق على من وجده في الطريق ويذكر ويسبح ويكثر من ذلك، فارتاب به الطبيب وتخيَّل ومع هذا حمله الطمع على الاستمرار معه، فلمَّا وصل إلى الدار إذا هي خربة، فارتاب أيضًا، فخرج رجل من الدار، فقال لصحابه: ومع هذا البُطءِ جئت لنا بصيد. فلمَّا سمعها الطبيب هرب، فخرجا خلْفهَ سِراعًا فما خلص إلا بعد جهد جهيد وفيها وقع وباء شديد ببلاد عنزة بين الحجاز واليمن وكانوا يسكنون في عشرين قرية، فبادت منها ثماني عشرة قرية، ولم يبق فيها ديَّار ولا نافخُ نار، وبقيت أنعامهم وأموالهم لا قانِيَ لها، ولا يستطيع أحد أن يسكن تلك القرى ولا يدخلها، بل كان من اقترب إلى شيء من هذه القرى هلك من ساعته، فسبحان من بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون، أما القريتان الباقيتان فإنهما لم يَمُت منهما أحد، ولا عندهم شعور بما جرى على من حولهم، بل هم على ما كانوا عليه لم يفقد منهم أحد [3] .
(1) ذيل الروضتين ص 19 البداية والنهاية (16/ 703) .
(2) جواهر السلوك في أمر الخلفاء والملوك لابن إياس ص 100.
(3) البداية والنهاية (16/ 704) .