وكان قد ورد في وعظه: وانقطعت عن البيت المقدس وفود الزائرين يا وحشة المجاورين، كم كان لهم في تلك الأماكن من ركعة، كم جرت لهم على تلك المساكن من دمعة، تالله لو صارت عيونهم عيونًا لما وفت، ولو انقطعت قلوبهم أسفًا لما شفت، أحسن الله عزاء المؤمنين، يا خجلة ملوك المسلمين، لمثل هذه الحادثة تسكب العبرات، ولمثلها تنقطع القلوب من الحسرات [1] ، كما ذكر سيف ابن الجوزي في مجلسه هذا قصيدة تائيه جاء فيها:
على قبة المعراج والصخرة التي ... تفاخر ما في الأرض من صخرات
مدارس آيات خلت من تلاوة ... ومنزل وحي مقفر العرصات [2]
ويذكر القاضي ابن واصل أنه كان حاضرًا في هذا المجلس، فيصفه بقوله: وعلا يومئذ ضجيج الناس وبكاؤهم وعويلهم، وحضرت أنا هذا المجلس [3] . وحضر المؤذَّنون والأئمة الذين كانوا في الصخراء والمسجد الأقصى إلى باب دهليز الملك الكامل، فأذنَّوا على باب الدهليز في غير وقت الأذان، فعسر ذلك على الكامل وأمر أتباعه بأخذ ما معهم من أثاث المسجد وطردهم ورُبمَّا كان هذا الاعتراض المباشر الوحيد الذي جُوبه به الكامل من قبل مؤذَّنين والأئمَّة لا حول لهم، ولا قوَّة، وإذا كان الاستحكار الرَّسمي معدومًا أو خجلًا فقد كان الاستنكار الشعبي قويًا جدًا إلى درجة اضطر الملك الكامل لتسيير رسله إلى البُلدان لتسكين الناس، وكذلك أرسل إلى الخليفة يُبَّرر له ما فعل [4] .
ومما قيل من شعر في المصير الذي آلت إليه القدس:
قول شاعر مجهول:
عزيز علينا أن نرى القدس تَخْْربُ ... وشمسُ مبانيه تزول وتغُربُ
وقلت له منا الدموع لأنَّه ... على مثله تجري الدُّموع وتسكبُ [5]
وقد تّم التعريض بأولئك الحكام الذين تنازلوا عن بيت المقدس:
(1) مرآة الزمان (8/ 432) دور الفقهاء ص 197.
(2) مفرج الكروب (4/ 246) .
(3) مفرج الكروب (4/ 245 - 246) دور الفقهاء ص 198.
(4) العلاقات الدولية (2/ 313) السلوك (1/ 232) .
(5) المصدر نفسه.