للمعركة بدقة وقاد القتال في التاسع عشر من الشهر نفسه ونجح رغم قلة عدد رجاله في كسر الأميرين المتحالفين ضده وتغلب عليهما، فارتدا منسحبين بعد أن خسرا عددًا من رجالهما وعتادهما. وعاد أبو نمي إلى مكة منتصرًا (1) . بعد ذلك بدأت فترة مصالحة وعلاقة حسنة، فقد اصطلح جماز مع أبي نمي، ومع المماليك في مصر أيضًا. أما صلحه مع أبي نمي فلا ندري هل تدخل فيه أحد من الوسطاء أم تم بالمراسلة بين الأميرين، وقد حرص كل من الأميرين على أن يكون الصلح قويًا ودائمًا، وأن تنشأ بينهما ارتباطات وشيجة، فتزوج جماز بن شيحة خزيمة ابنة أبي نمي وبنى لها دارًا في عرصة السوق عرفت بدار خزيمة. وأما صلحه مع المماليك فبعد وفاة الظاهر بيبرس عام 676 هـ أرسل جماز بالولاء إلى ابنه السعيد بركه الذي خلفه في الملك، وخطب له على منبر المسجد النبوي، فقبل السعيد بالولاء وأرسل أموالًا وكسوة للحجرة النبوية. وامتدت فترة الهدوء هذه اثني عشر ة عامًا، حظي فيها جماز بثناء المؤرخين (2) . غير أن العلاقات مع أبي نمي ما لبثت أن اضطربت عام 687هـ وتحولت إلى قتال بين الفريقين وكان المسؤول عن ذلك هذه المرة هو أبو نمي وليس جمازًا، لأن جمازًا كان ممثلًا للسلطة الشرعية في مصر لمعاقبة أبي نمي على خطئه. وترجع أصول المشكلة الجديدة إلى الصراع الدائر آنئذ بين الرسوليين في اليمن والمماليك في مصر. وحرص كل من الفريقين على بسط نفوذه على مكة المكرمة والاحتفاظ بولائها لسلطانه. وكان أبو نمي ـ كما أسلفت ـ قد أعلن ولاءه للمماليك في مصر عام 681 هـ فكتب عهدًا للسلطان قلاوون يلتزم فيه بوضع الكسوة التي يرسلها المماليك على الكعبة وبالخطبة لهم وكتابة أسمائهم على العملة المسكوكة وحماية الحجاج والتجار، وغير ذلك من الالتزامات. وكان المماليك يدفعون له ثلاثين ألف درهم سنويًا ويرسلون الأعطيات
(1) السابق نفسه.
(2) انظر التحفة اللطيفة 1/ 424.