ونفهم من وصف السمهودي (1) أن تلك الليلة كانت كثيرة الغيوم، يدوي فيها الرعد القاصف، فالوقت شتاء، وقبيل الفجر صعد المؤذنون إلى المنارات يهللون (وكانت العادة أن يهلل المؤذنون قبل طلوع الفجر في رمضان ذكرًا لله وتنبيهًا لقرب وقت الإمساك) وقد صعد رئيس المؤذنين شمس الدين محمد بن الخطيب إلى المنارة الشرقية، و صعد بقية المؤذنين إلى المنارات الثلاثة الأخرى، وعندما بدءوا التهليل دوى رعد قاصف، وظهرت صاعقة تهوي من عنان السماء وتتجه إلى الأرض صوب المسجد، فأصابت هلال المنارة الشرقية (والمعروف أن المعادن تجذب الصواعق) وحطمته وتناثرت شظاياه داخل المنارة وخارجها، وسقطت بقية الصاعقة على السقف، فأحدثت فيه ثقبًا واسعًا بحجم الترس ونزلت إلى باطنه، وتخللت الأخشاب المرصوفة فيه، فاشتعلت الأخشاب بسرعة، ورأى المؤذنون الأخرون النار، وأحسوا أن رئيسهم قد سكت، فنادوه، فلم يجب، فصعد بعض الحاضرين إلى المئذنة فوجدوه قد مات، ووجدوا رأس المنارة قد شق بفعل الصاعقة، وصرخ المؤذنون والحاضرون ينبهون إلى النار التي اشتعلت في السقف، وأسرع الخدم والقيمون على المسجد، ففتحوا أبوابه كلها، وارتفعت الأصوات في أحياء المدينة تخبر بالحريق، وأقبل الناس مسرعين يحملون الدلاء وقرب الماء، وصعدوا إلى السقف وأخذوا يسفحون الماء على النار المشتعلة، ووصل الأمير ورجاله واشتغل الحاضرون بنقل المياه وصبها، ولكن النار ازدادت اشتعالًا وسارت في السقف، فأشار بعضهم بهدم الجزء الذي أمامها كي تنقطع، فسبقتهم النار وامتلأ المسجد بدخان كثيف، ولم يعد أحد يستطيع البقاء فيه، وتراجع الذين على السقف أمام زحف النار، وطلبوا من إخوانهم أن يسرعوا إليهم بملء الدلاء من الميضة والبيوت المجاورة، واشتدت الحركة وتعثر بعضهم على السلالم التي نصبت بسرعة، وسقط بعضهم فمات من فوره، واتجه بعضهم الآخر إلى الدرج الذي ينزل داخل المسجد فسقطت عليهم
(1) وفاء الوفاء 2/ 633.