ويروي ابن فرحون أيضًا أن جماعة من المغاربة يعرفهم كانوا يعملون في بعض مزارع المدينة ليكسبوا قوتهم وكانوا على درجة عالية من الزهد والتقشف في طعامهم وشرابهم (إذا جاؤوا من عملهم حملوا معهم شيئًا من رمام البقول الذي لا يصلح إلا للدواب كالسلق وبقايا اللفت ومن هذا الجنس.. فيأخذه خادمهم ويسلقه ويضعه في قصعة إلى أن يأتوا من صلاة العشاء، فيقدمه لهم وهم صائمون، فيأخذ كل منهم كفايته، وما فضل عنهم أخذه الخادم ورماه في خارج باب البلد تأكله البهائم) (1) .
ولا يعني هذا أن جميع المجاورين كانوا على هذه الحالة المثالية، فهناك حالات قليلة كان فيها بعض المجاورين لا يتحلون بالصفات الكريمة، وربما استغل بعض المشعوذين احترام الناس للمجاورين فسلكوا مسلكهم، ومن هؤلاء رجل أظهر أنه من (أهل الحقيقة) فاهتم به بعض خدام المسجد النبوي (أسكنوه وقربوه وأتحفوه بأنواع الملابس وفاخر الأطعمة وكان قد تبدن وسمن من كثرة ما يأكل.. وكان يقول: الآن قام من عندي الخضر عليه السلام وقال لي كذا وكذا.. الآن قال لي ملك كذا وكذا، ثم ترقى حتى قال: كلمني القلم، ورأيت الملكوت... وأنواعًا من هذه الترهات والخزعبلات) (2) .
شكل المجاورون فئة ظاهرة في المدينة وكانت على اختلاف جنسياتها، ولغاتها وطبائعها وتقاليدها تلتقي في محاور مشتركة أهمها: التعبد والإقبال على حلقات العلم متعلمين ومعلمين، والعلاقات الحسنة فيما بينهم من جهة وفيما بينهم وبين بقية أهل المدينة من جهة أخرى...
(1) نصيحة المشاور 45
(2) السابق نفسه