وقد أصبح المسجد النبوي ملتقى يجمعهم على تباعد ديارهم فيلتقي الأندلسي بالعراقي والهندي بالمغربي والشامي بالمصري... الخ. فمثلًا: محمد بن محمد بن عنقة بنى ثقافته الأولى في دمشق و مصر؛ ولما جاء إلى المدينة قرأ على علماء من أقطار شتى، منهم الشمس الششتري ويحيى بن موسى القسنطيني والجمال الأميوطي ويوسف بن البناء والزين المراغي وأجاز له القلاقسي (1) ومحمد بن يوسف الدمشقي الملقب بابن الزعفريني جاور في المدينة وسمع على ابن حجر والمجد البرماوي والعز بن الفرات، وامتدت إقامته في المدينة أربعاوعشرين سنة وأخذ عنه عدد من طلبة العلم (2) وجاء محمد بن أحمد بن عثمان من تونس وقد درس على ثلة من علمائها، فقد (سمع من مسندها ومقرئها أبي الحسن بن أبي العباس البطرني.. ومن ابن عرنه، وانتفع به في الفقه والتفسير والأصول والمنطق وعلوم الحساب والهندسة، وعن أبي العباس القصار عدة كتب بالعربية... وكان عارفًا بالتفسير والمنطق والفرائض والحساب والجبر والمقابلة وغيرها... ) فلما جاء إلى المدينة جلس إلى العلماء في المسجد النبوي وأخذ منهم وأخذوا منه، لم يكتف بذلك بل أرسل من المدينة النبوية إلى علماء مصر عشرين سؤالًا ليكتبوا عنها (3) مثل هذا العالم الموسوعي سيحرك عجلة الثقافة في المسجد النبوي، وستكون حلقة العلم التي يديرها حيوية مليئة بالعطاء.. وتتميز العطاءات الثقافية للمجاورين بالتنوع الواسع وكثرة التخصصات، لتنوع العلماء المجاورين وتعدد اختصاصاتهم وكثرة المصادر التي أخذوا عنها، فكان المسجد النبوي المصب الذي تلتقي فيه التخصصات المختلفة والمصادر المتنوعة والاتجاهات المتعددة لتتوحد ولتشكل تيارًا ثقافيًا موحدًا. وعلى سبيل المثال جاور من علماء القراءات محمد بن عمر بن يوسف القرطبي المعروف بابن مغايظ، وكان إمامًا مجودًا في القراءات
(1) الضوء اللامع 9/ 172
(2) السابق 10/ 316
(3) السابق 7/ 3