وأخيرًا نشير إلى فئة من المجتمع قد لا تشكل مجموعة مستقلة، لكنها تدخل مع مثيلاتها من مجموعات صغار الكسبة والفقراء من أهل المدينة والمجاورين هي فئة العبيد، فقد كان الرق موجودًا في تلك القرون، وكانت قوافل التجارة تحمل العبيد والجواري إلى المدينة مثلما تحملها إلى مدن العالم الأخرى. ولئن كانت فترة الحروب الصليبية موردًا للعبيد الذين يسترقون في المعارك والحروب، فإن هذا المصدر قد انتهى بنهاية الحروب الصليبية وصارت القوافل تحمل إلى المدينة عبيدًا وجواري من أفريقيا ومن بلاد الروم ومن الشام والعراق ومعظمهم من أبناء العبيد المسترقين، وقد شاع استخدام العبيد والجواري في بيوت المقتدرين، وبالمقابل انتشرت حركة العتق وكانت إحدى أبواب التقرب إلى الله يقوم بها كثير من أهل المدينة والمجاورين وشيوخ الحرم والأغنياء من الرجال والنساء، وعندما حدث البركان نزل أمير المدينة منيف بن شيحة من قصره إلى المسجد النبوي متضرعًا وأعتق جميع مماليكه وكذا فعل الكثيرون (1) ويذكر ابن فرحون أن أحد المجاورين (الشيخ عبد الله الوادريشي) أعتق وحده نحو ثلاثين مملوكًا (2) ، وكان الشيخ صفي الدين أبو بكر بن أحمد السلامي ذا دنيا عظيمة فتخلى عنها ورغب في الآخرة وأعتق خدامًا ومماليك كثيرين (3) والشيخ محمد بن أحمد الغرناطي دخل مع خدم المسجد النبوي بعد أن جب نفسه وصار مقدمًا فيهم وأعتق عبيدًا وإماء وأعتق خادمه نجيبًا أحد خدام الحرم (4) وكان لعلي بن ميمون العجيلي عتقاء (5) .
إن شيوع العتق على هذا النحو سينشيء في المدينة جماعات من العتقاء يعيشون حياتهم بجوار مالكيهم السابقين، أو مستقلين في حرف وأعمال يجيدونها ويبقون في الغالب مع الجماعات المتوسطة الحال أو دون ذلك، وينخرطون في تيار الحياة العادية.
(1) البداية والنهاية 13/ 203
(2) نصيحة المشاور 79
(3) السابق 101
(4) السابق 150
(5) نصيحة المشاور 195