فهرس الكتاب

الصفحة 280 من 375

وكان تردد العلماء على المدينة يساعد أهلها على الاستفادة من المذاهب الأربعة، ويبدو أن المذهب الشافعي انتشر أيضا بين عدد من أهل المدينة في مطلع الفترة التي ندرسها، وربما يكون السببَ في ذلك المجاورون القادمون من مصر، وما لبث هذا المذهب أن غلب وصار المذهب الأول لأهل السنة في المدينة حتى إن ابن فرحون المالكي وجد صعوبة في إعادة نشر المذهب المالكي حين قدم المدينة أواخر القرن الهجري السابع (1) ، وجاء الشيخ شمس الدين اللجيمي سنة 723 هـ فلم يجد من يشتغل بالمذهب الحنفي ولا من يدرسه (فألف طائفة من طلاب الشافعية وأمرهم بالاشتغال بالمذهب الحنفي) (2) . ومالبث أن سلك في هذا المذهب جماعة من الناس منهم الشيخ علي بن عز الدين بن الحسن الزرندي أحد قضاة المدينة فكان أول حنفي من قضاة المدينة (3) .

ويدل هذا التحول على فهم واع لحقيقة المذهبية بعيدا عن التعصب وضيق الأفق، فما دام صاحب المذهب وتلاميذه يأخذون من القرآن والسنة ويجتهدون في مجال الاجتهاد فلا ضير في أن يتبع المرء مذهبه إن اقتنع به، ويدع للآخرين حرية الاختيار أيضا، ولابأس أن تتعدد الطرق الصحيحة إن كانت تبدأ من نقطة واحدة وتنتهي إلى ميدان واحد.. ولقد ساد هذا المفهوم بين أهل السنة على مايبدو بدليل أننا لانجد فيما بين أيدينا من المصادر أية أخبار عن مشاحنات أو خلافات بين أصحاب المذاهب السنية، حتى بعد أن ترسخت المذهبية وصار لكل منها قاض يقضي بآرائها وفقهاء يفتون بأحكامها.

(1) نصيحة المشاور 88 - 99

(2) السابق 82

(3) انظر بدائع الزهور 1/ 103

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت