فهرس الكتاب

الصفحة 297 من 375

وهكذا عاشت فئات الناس في المدينة المنورة، على اختلاف طبائعها وأصولها ومذاهبها في وئام، يقع بين بعض أفرادها مايقع بين أفراد العائلة الواحدة من خلاف عابر، وقد يشتد، وقد يحتد بعضهم.. غير أن السكينة التي تميزت بها المدينة المنورة بعامة كانت تزرع في نفوس الناس لينا وتسامحا وتعايشا طيبا، وتمسح الأيام مايحدث من توتر، ويجمع المسجد النبوي ومواسم العبادة وخدمة الزائرين أهل المدينة فتظهر إيجابياتهم العالية، التي ثبتت في نفوس الآخرين على مدى السنين، وأصبح كل من يذكر المدينة أو يتحدث عنها يذكر السماحة واللين وحسن التعامل في أهلها، ويكفي أن نتملى هذه الصورة لندرك ماتدل عليه من تعايش حسن وحب للخير وخدمة للآخرين. يروي ابن فرحون أن أهل المدينة شعروا بحاجة الناس إلى الماء عند ذي الحليفة ـ ميقات أهل المدينة وكل مسافر منها للحج والعمرة ـ فخرج جماعة من أهل المدينة منهم الخدام والمجاورون وطوائف الناس وكانوا ينيفون على المائة، وبدأوا يحفرون بئرين، وأقاموا على حفرهما وعمارتهما نحوا من شهرين، وفي كل يوم يأتيهم من المدينة مايكفيهم من الطعام، وكان الشيوخ يحفرون بأنفسهم حتى إن الشيخ محمد الخراز وقع عليه وهو في البئر حجر فشج وجهه ورأسه، وأيقنوا بوفاته، فأخذوه إلى المدينة على أعواد كالميت وتركوه في بيته ولم يقطعهم ذلك عن العمل.. وسلمه الله بحسن نيته، واستمر العمل حتى نجز البئران وانتفع بهما الحاج نفعا عظيما وانتفع بهما الأعراب في المنطقة.. وكانوا يفعلون مثل ذلك في المساجد الدامرة والأوقاف الخربة (1) .

(1) انظر نصيحة المشاور 198 - 199

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت