فعند قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (29) } البقرة. قال: {ثم استوى إلى السماء} أي قصد إليها بإرادته ومشيئته بعد خلق الأرض من غير أن يريد خلق شيء آخر [1] .
وعند قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} الحديد: 4.
قال: {ثم استوى على العرش} المعروف، والاستواء عليه كونه قادرًا عليه وعلى خلقه, قال:
قد استوى بشر على العراقِ ... من غير سيف ودم مهراق.
وهو العرش المعروف في السماء، وقيل: العرش الملك، وقيل: على بمعنى إلى يعني لما خلق السماوات والأرض استوى على العرش فخلقه، والاستواء بمعنى القصد كقوله: {ثم استوى إلى السماء} [2] .
ومسألة الاستواء من المسائل العقدية التي أخذت حيزا كبيرا لدى العلماء بين مؤول وآخذ بظاهرها دون تأويل.
ولسنا بصدد الخوض في مقالات العلماء واختلافهم في المسألة, وإنما نقول كما قال ابن كثير رحمه الله في تفسيره: وأما قوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} فللناس في هذا المقام مقالات كثيرة جدا، ليس هذا موضع بسطها، وإنما يُسلك في هذا المقام مذهب السلف الصالح: مالك، والأوزاعي، والثوري، والليث بن سعد، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه وغيرهم، من أئمة المسلمين قديما وحديثا، وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل. والظاهر المتبادر إلى أذهان المشبهين منفي عن الله، فإن الله لا يشبهه شيء من خلقه، و {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (11) } الشورى: 11 , بل الأمر كما قال الأئمة -منهم نُعَيْم بن حماد الخزاعي, شيخ البخاري:"من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر", وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه، فمن
(1) التفسير: ص 17.
(2) التفسير: ص 703.