وعند قوله تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (4) } المنافقون. قال: وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يعجبون [1] منهم, شبه المنافقين بالخشب المسندة، ووجه الشبه أن أجسامهم لحسن صورتها واستواء خلقها وقامتها تعجب الناظر، ولكن لخلوها من الخير {كأنَّهم خشب مسندة} أشباح بلا أرواح، وقيل: الشبه وقع في الخشب المتآكلة, يحسبها من رآها سليمة, من حيث أن ظاهرها يروق الخير, وباطنها لا يفيد، كذلك المنافق، وكان عبد الله ظاهره يعجب, وباطنه خال من الخير {وإن يقولوا تسمع لقولهم} من حسن كلامهم, وقولهم للمؤمنين إنا منكم {يحسبون} يظنون {كل صيحةٍ عليهم} وذلك لخبثهم وما في قلوبهم من الرعب إذا نادى منادي من العسكر أو فلتت دابة أو أنشدت ضالة ظنوا إيقاعًا بهم، وقيل: كانوا على وجل أن ينزل الله بهم ما يهتك أستارهم هُم أي لفرط خبثهم, وشدة ضررهم على المسلمين {فاحذرهم} أي احذر مخالطتهم، ولا تأمنهم؛ لأنهم كانوا ينقلون أسرار المؤمنين إلى الكفار، ويفسدون من قدروا عليه من المؤمنين {قاتلهم الله أنَّى يؤفكون} ، قيل: هذا دعاء عليهم بالهلاك، وقيل: لعنهم الله أنّى يؤفكون؛ أي أنَّى يصرفون عن الحق مع كثرة الدلالات، وقيل: كيف يعدلون عن الحق تعجبًا من جهلهم وضلالتهم [2] .
3 -الاستعارة: ومن أنواع علم البيان أيضا, التي عرض لها الشيخ الاستعارة. جاء في التعريفات للجرجاني:"الاستعارة: ادعاء معنى الحقيقة في الشيء للمبالغة في التشبيه مع طرح ذكر المشبه من البين كقولك لقيت أسدا و أنت تعني به الرجل الشجاع" [3] . وهذه أمثلة على ذلك:
فعند قوله تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (45) } النور.
(1) هكذا وردت في النص, وعند الزمخشري؛ فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن حضر يعجبون بهياكلهم ويسمعون إلى كلامهم. انظر"الكشاف"المصدر السابق: ج 4 ص 542.
(2) التفسير: ص 731.
(3) الجرجاني: علي بن محمد بن علي,"التعريفات", تحقيق إبراهيم الأبياري, دار الكتاب العربي, بيروت, الطبعة الأولى,1405 هـ, ج 1 ص 35.