والغرض من القصص القرآني في الواقع إنما هو تثبيت فؤاد النبي - صلى الله عليه وسلم - وتقوية قلبه, فإنه - صلى الله عليه وسلم - لما رأى من قومه ما رأى من شدة الأذى والبلاء ساءه ذلك وأحزنه, فأراد الله سبحانه وتعالى أن يقص عليه أخبار الأمم السابقة. قال تعالى: {وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (120) } هود: 120.
وكأن الله سبحانه وتعالى يقول لنبيه عليه الصلاة والسلام, إذا آلمك قومك ولحقك ما لحقك منهم, فانظر وتأمل في أحوال وأخبار من سبقوك من الأنبياء والمرسلين فإن في قصصهم عبرة وآية لك.
فكان هذا إشعارا وإيذانا منه عز وجل له - صلى الله عليه وسلم - ليتحمل ويصبر وألا يتوانى ويقعد عن تبليغ الرسالة التي جاء بها.
وإذا كان ذلك كذلك, فإنه ينبغي على كل مسلم أن ينظر في كتاب الله تعالى, نظرة تفكر وتدبر لآي الذكر الحكيم, ويستخلص منها الدروس والعبر؛ لتكون له نبراسا في حياته يضيء وينير دربه, مقتديا بهدي المصطفى صلوات الله وسلامه عليه ومقتفيا أثره.
والشيخ الأعقم قد عرض في تفسيره للقصص القرآني كغيره من المفسرين, لكن بطريقة مختصرة بعيدة عن الإطناب والحشو, ودون الخوض في تفاصيل القصة, مكتفيا بذكر مايؤدي الغرض ويحقق المقصود من القصة.
وسأحاول أن أبين منهجه في ذلك على الوجه الذي سلكه ومشى عليه.
عند قوله تعالى: {إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (112) قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (113) قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (114) قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (115) } المائدة.
قال الشيخ: قوله تعالى: {إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك} قال جار الله: فإن قلتَ: كيف قالوا: {هل يستطيع} بعد إيمانهم وإخلاصهم؟ قلتُ