ومما تقدم فإن الذي تطمئن إليه النفس, بعد الإطلاع على أقوال العلماء في هذه المسألة , ودحضهم شبهتها, فإنني أرى أن رواية {الشيخ والشيخة إذا زنيَا فارجموهما البتَّة بما قضيا من اللذة, نكالًا من الله, والله تعالى عزيز حكيم} لا صلة لها بالقرآن وليست منه إطلاقا, وقد ثبت لدينا أنها روايات آحاد, وخبر الواحد لايثبت به القرآن, بل لابد من التواتر في قرآنية الآية.
ومن حيث معناها فإنك لتحس من الوهلة الأولى, وبمجرد التلفظ بها أن هذا كلاما غير مستقيم, وفيه ركاكة نوعا ما - تعالى كلام ربنا عن ذلك علوا كبيرا- وهذا كله يتنافى مع جمال القرآن وروعة أسلوبه, ولا يتوافق مع النظم القرآني.
والرواية الثانية التي زعموا أنها من القرآن هي: {لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى لهما ثالثًا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب, ويتوب الله على من تاب} , يقول الدكتور الفاضل أحمد نوفل: ومن هذا الوادي -أي منسوخ التلاوة- ماثبت في مسلم وغيره عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: إنهم كانوا يقرأون سورة على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , وفي رواية كنا نقرأ سورة نشبهها في الطول والشدة ببراءة, فأنسيتها غير أني حفظت منها:"لوكان لابن آدم واديان من ذهب من مال لابتغى واديا ثالثا, ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ..." [1] .
وأخرج البخاري في صحيحه قال: حدثني محمد أخبرنا مخلد أخبرنا ابن جريج قال سمعت عطاء يقول: سمعت ابن عباس يقول سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ «لو أن لابن آدم مثل واد مالا لأحب أن له إليه مثله, ولا يملأ عين ابن آدم إلا التراب, ويتوب الله على من تاب» . قال ابن عباس: فلا أدري من القرآن هو أم لاَ؟ [2] .
وفي مناقشة حديث أبي موسى الأشعري يقول الدكتور نوفل: لماذا لم يرو الحديث إلا آحادا, وهو مما تعم به البلوى, أفيكون أمر بهذه الخطورة والجسامة, مقتصرا نقله على نفر قليل من الأصحاب فحسب.
ثم إنه يقدم لنا مرة على أنه حديث, ومرة على أنه قرآن نسخ, فما نعتمد؟ ثم إذا كان أنسي السورة كلها لماذا حفظ منها حديث الواديين من الذهب ونسي سائرها وكلها قد ذهب؟ ثم إن هذا الذي بقي من السورة واضح أنه أخبار, والأخبار لاوجه لوقوع النسخ فيها, إذن لماذا تنسخ الأخبار؟ ثم هل النص عليه علائم القرآن وسيماؤه؟
(1) "صحيح مسلم", باب لو أن لابن آدم واديين لابتغى ثالثا, ج 2 ص 726 برقم 1050.
(2) "صحيح البخاري", كتاب الرقاق, باب ما يتقى من فتنة المال, ج 5 ص 2364, برقم 6073.