وتوجيه القراءات فن كما قرر الزركشي, حيث قال:"وهو فن جليل وبه تعرف جلالة المعاني وجزالتها, وقد اعتنى الأئمة به وأفردوا فيه كتبا, منها كتاب الحجة لأبي على الفارسي، وكتاب الكشف لمكي وكتاب الهداية للمهدوي, وكل منها قد اشتمل على فوائد, وقد صنفوا أيضا في توجيه القراءات الشواذ, ومن أحسنها كتاب المحتسب لابن جني, وكتاب أبي البقاء وغيرهما."
وفائدته كما قال الكواشي [1] : أن يكون دليلا على حسب المدلول عليه, أو مرجحا, إلا أنه ينبغي التنبيه على شيء؛ وهو أنه قد ترجح إحدى القراءتين على الأخرى ترجيحا يكاد يسقط القراءة الأخرى وهذا غير مرضي؛ لأن كلتيهما متواترة" [2] ."
وقد حرص الشيخ على توجيه بعض القراءات الصحيحة, توجيها يساعد على كشف المعنى وبيانه, ومن الشواهد على هذا العمل:
عند قوله تعالى: {وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ (149) } الشعراء. قال: {فارهين} قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بغير ألف, ومعناه أشرين بطرين، وقيل: معجبين، وقرأ حمزة وعاصم فارهين بالألف، والفاره: الحاذق، وقيل: هما بمعنى يقال: فاره وفره [3] .
قال مكي: قوله {فرهين} قرأه الكوفيون وابن عامر بألف على معنى حاذقين.
وقرأ الباقون بغير ألف على معنى: أشرين, أي بطرين, وكلا القراءتين حسن محتمل [4] .
وعند قوله تعالى: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} الأحزاب: 33.
قال: قرئ بفتح القاف اسكنَّ، وبكسرها كن أهل وقار [5] .
(1) أحمد بن يوسف بن حسن بن رافع بن حسين بن سودان الشيباني، الإمام العلامة، الزاهد الكبير، موفق الدين، أبو العباس الكواشي، المفسر، نزيل الموصل. ولد بكواشة، وهي قلعة من أعمال الموصل، سنة تسعين أو إحدى وتسعين وخمسمائة. قرأ القرآن على والده، واشتغل وبرع في القراءات والتفسير والعربية والفضائل. وكانت وفاته في سنة اثنتين وثمانين وستمائة. انظر ترجمته في"تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام", للإمام الذهبي: شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان, تحقيق: د. عمر عبد السلام تدمري, دار الكتاب العربي, بيروت. الطبعة: الأولى. 1407 هـ / 1987, ج 50 ص 343, وانظر"طبقات المفسرين"للأدرهنوي: ص 252.
(2) "البرهان في علوم القرآن",ج 1 ص 339.
(3) التفسير: ص 479.
(4) "الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها وحججها",ج 2 ص 255.
(5) التفسير: ص 541.