وقد عرف الأستاذ الدكتور فضل عباس الزيادة بقوله:"الزوائد كلمات وأكثرها حروف؛ رأى بعضهم أنه لا حاجة لها من حيث الإعراب, فإذا أسقطت بقي الكلام تاما ..."ثم يؤكد على أن لكل حرف تأثيرا في المعنى , فيقول:"ونكاد نجزم أنها لم تكن شائعة مشتهرة في خير القرون, بل كل حرف من حروف القرآن الكريم, وكل كلمة تعمل في نفوسهم عملها؛ ذلك لأن هذه الكلمات لكل منها معنى تؤديه" [1] .
تناوب الحروف: يقول الدكتور عواد:"هذا باب في العربية دقيق المداخل والمخارج, يفضي إلى غير قضية. وهو باب يمسك النحاة منه بطرف, وأهل البيان بطرف؛ لأنه باب يسلك فيه النظر على المبنى والمعنى. وللعلماء فيه مذاهب شتى, ودروب متباينة, وتأويلات مختلفة. ولكنه-على مافيه من عناء-ممتع شائق لطيف؛ لأن النظر فيه عمل من أعمال العقل, تنقدح الحقائق للناظر فيه, بعد طول تأمل, وإمعان, وبعد نفاذ في بواطن المسائل متجاوز الظاهر المكشوف إلى الخفي المستتر" [2] .
وقضية تناوب الحروف, قضية شغلت بال العلماء قديما, والتي يعتبر الخلاف فيها معتبرا فيما بينهم, وكان أن نتج عن هذا الخلاف انقسامهم إلى فريقين؛ فريق يقضي بوقوع بعض الحروف مكان بعض, وفريق يمنع ذلك, ويرى أن لكل حرف تأدية خاصة في المعنى لا يمكن أن يؤديها حرف سواه.
والأعقم في أكثر من موضع, ذهب مذهب القائلين بجواز تناوب الحروف بعضها عن بعض, فعند تفسير قول الله تعالى: {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (22) } الذاريات. قال: {وفي السماء رزقكم} قيل: هو المطر؛ الذي هو سبب الرزق، وقيل: أراد بالسماء المطر أي في المطر رزقكم، قال الشاعر:
إذا وقع السماء بأرض قوم ... رعيناه وإن كانوا غضابا
وقيل: وعلى رب السماء رزقكم، وفي بمعنى على كقوله: {في جذوع النخل} [3]
وعند قوله تعالى: {وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ (37) } سبأ. قال: أي لا يغرنكم ثواب الله ورضاؤه, كثرة أموالكم وأولادكم، والزلفى القربى {إلا من آمن} إلا
(1) "لطائف المنان وروائع البيان في دعوى الزيادة في القرآن", مرجع سابق ص 63,58.
(2) عواد: محمد حسن,"تناوب الحروف الجر في لغة القرآن", دار الفرقان عمان, الطبعة الأولى 1402 هـ/1982 م ص 5.
(3) التفسير: ص 678.