والثاني: الخروجُ من هذه الغيبةِ إلى التكلم في قوله:"من نبأٍ جاءني وخُبِّرْتُه". والجواب أن قوله أولًا:"تطاول ليلُك"فيه التفاتٌ، لأنه كان أصلُ الكلامِ أن يقولَ: تطاول ليلي، لأنه هو المقصودُ، فالتفت من مَقام التكلمِ إلى مقامِ الخطابِ، ثم من الخطابِ إلى الغَيْبَةِ، ثم من الغَيْبة إلى التكلمِ الذي هو الأصل [1] .
والحلبي إنما يقصد بقوله {وخطأ بعضهم} أبا حيان الأندلسي؛ لأنه قد أشار إلى ذلك في تفسيره كما مر معنا في الكلام السابق. وأنا أرى حسب فهمي القاصر أن ماذهب إليه السمين الحلبي, ومن قبله الإمام الزمخشري هو الصواب, وهو الذي اختاره الأعقم في تفسيره؛ إذ إن الشاعر في مقام المتكلم؛ الذي يخاطب فيه نفسه, وكان الأولى به, ومن حقه أن يقول, تطاول ليلي, فلما عدل عن مقام التكلم إلى مقام الخطاب, علم وفهم أن هذا نوعا ثالثا من أنواع الالتفات, في هذه الأبيات, والله أعلم.
ومنه ماذكره عند تفسيره, لقوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (83) } البقرة. حيث يقول: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ثم توليتم} على طريق الالتفات؛ أي توليتم عن الميثاق ورفضتموه [2] . وهو يقصد بالالتفات هنا, الالتفات من الخطاب إلى الغيبة.
ب- الذكر والحذف: من الجوانب البلاغية التي تعرض لها الشيخ أيضا, الذكر والحذف, حيث تطرق له في مواضع عدة من تفسيره, نذكر من بينها:
قوله تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) } الحج.
(1) السمين الحلبي: أحمد بن يوسف,"الدر المصون في علوم الكتاب المكنون", تحقيق الدكتور احمد محمد الخراط, دار القلم, دمشق, الطبعة الأولى, 1406/ 1986, ج 1 ص 58.
(2) التفسير: ص 24.